![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
|
#1 |
|
[align=center]في الفجر
تحنى عيون العصافير تغزل من رائحة الاقحوان ملابس الصغار وتغنى لطيور بيضاء كانت يوما هنا[/align] [align=justify]مطر خفيف يغسل الطرقات آتيا من سماء قريبة وترانيم ليلة الميلاد غناء شجي لطقوس مرست هنا منذ آلاف السنين, في هذه السنة بالتحديد سيحتفل العالم بالذكرى الألفية لميلاد المسيح عليه السلام, لا يمكنك ان تنوء بنفسك عن جمالية اغرقت الحياة بهدوء وطمأنينة والصليب اللامع يبتهج فرحا فوق قبة الكنيسة العتيقة. بيت لحم حيث المهد و طريق الآلام وخطى نبى الله عيسى دربا للشقاء, عرفناه منذ ادركنا باننا هنا في ارض الانبياء, صغيرا اركض خلف قداس الميلاد منتشيا بالمزامير والملابس المزركشة وفرق الكشافة تجوب المدينة المقدسة تقرع اجراس الاستغفار لكأنها تجلب ماضى سحيق من سجون العزلة والقهر والاسلاك الشائكة لتحتفى الارض بسلام كان يوما هنا في مهده المقدس يكلم الناس عن الحب والعدل وعن إاله لا إله إلا هو. تبدأ التحضيرات لاعياد الميلاد منذ منصف سبتمتبر وتستمر الي بداية ايار, حيث يبدأ سكان المدينة بتبيض واجهات البيوت وتزينها بالاعلام وكذلك تبدأت عمليات ترميم خفيفة للكنائس والاديرة المتناثرة في ارجاء المدينة, ولكأن المدينة تستعد لولادة جديدة باحثة في سطور التاريخ عن معانى حملها هذا النبي الكريم مكبلة بالندم النازف حين كان العشاء...هو الاخير. لم تكن الاحتفالات الدينية قسرا على مسيحي المدينة فكنا كمسلمين نشاركهم افراحهم واعيادهم بحب وطمأنينة, كنسيج متناغم لكل هذا الارث الديني لكلينا, وفي الجهة الاخرى لم يكن سوط الجلاد ليميز بين الصليب والهلال حين يهوى على المدينة فيختلط الدم ويعلن لونه الاول والاخير....لون فلسطين. على غير ما جرت العادة, كان لهذه السنة مذاق مختلف, فمن جهة ستكون الألفية الثانية مناسبة أممية حيث ستعج الطرقات بالسياح القادمين من شتى بقاع الارض لزيارة هذه المدينة المقدسة وللمشاركة في قداس الميلاد, ومن جهة اخرى تقف الدبابات الاسرائيلية على مفارق الشوراع تهيأ بنادقها لارتكاب جريمة اخرى في حق كل ما يمكن ان يكون فلسطينيا. كان صباحا باردا, اتكأت على عامود للانارة قرب الباب الغربي لكنيسة المهد, متشاغلا بتقليب اوراق صحيفة يومية تحمل على اولى صفحاتها يوميات المقاومة في مخيم جنين وحيثيات حصار مقر الرئاسة في مدينة رام الله, استفقت من شردوي على يده تهز كتفى, إلتفت اليه -صباح الخير يا عبد الله -صباح النور, آسف على تأخري ولكنني اضطررت للذهاب الي السوق لاحضر اغراض للبيت قبل حدوث الاجتياح. أشعر بغصة ما تلازمنى منذ ليلة البارحة, سادت بيننا لحظات من الصمت فكلانا كان يعرف بان الكلمات لن تفيد شيئا وانه علينا ان نتحرك سريعا قبل ان يحدث ما لا نريده. وكما كان مقررا, التقينا في مقر شرطة المدينة, جاء الجميع في الموعد المقرر, بملابسهم العسكرية أو بزيهم المدنى حاملين ما استطاعوا من اسلحة خفيفة وذخيرة يلوذون بها حين يشتد الصقيع وتشتعل السماء بالنيران. نظرا لطبيعة المدينة والتي صممت لتكون مدينة سياحية فشوارعها الكبيرة المرصوفة وتلك الاضاءة الكثيفة الموزعة بدقة في ارجاءها جعل من الصعوبة بمكان ان يتم التصدى للقوات الاسرائيلية داخل الشوارع الرئيسية وكذلك تجنبا لإنزال خسائر في المدنين جراء القصف العشوائي للدبابات تقرر ان ينسحب المقاتلون رويدا رويدا الي الجانب القديم من المدينة مرورا بالسوق المركزي حيث يمكننا هناك الاحتماء بالأبنية القديمة ومنع إنزال قوات المشاة على الارض وهو ما يعني الاحتلال الكامل للمدينة وبدء عمليات الاعتقال والتخريب. انتشرت مجوعات المقاتلين على المداخل الاربع للمدينة وكان التواجد الاكبر قرب المدخل الآتي من المستوطنة القريبة حيث تقرر ان يتم استخدام قاذفات الكتف المحمولة من نوع B7 في محاولة لاعطاب الآليات المدرعة. وهكذا سارت الامور كما كان مخططا لها, مع اقتراب الفجر رصد تحركات الآليات متجهة صوب المدينة وكان يقرر عددها باربعين آلية وبدأت اول الاشتباكات فبل حلول الفجر بعشر دقائق. الأخبار الاولية كانت تفيد بان المقاتلين قد نجحوا في اعطاب سبع آليات عند المدخل الشرقي وقد تراجعت المجموعات بعدما تم رصدها من قبل الطائرات المروحية وانكشاف موقعهم وقد اوشكت ذخيرتها على النفاذ. وهكذا وفي تمام الرابعة والنصف إلتقت كل المجموعات في الحى القديم للمدينة حيث تم تجهيزه من قبل ببعض الادوية والضمادات و الذخيرة والمؤن ليتسنى للفدائيين الصمود لفترة لا يعلمها الا الله. هناك التقيت عبد الله مرة اخرى وكنا قد افترقنا حين تم تشكيل الوحدات المقاتلة, كان مبتسما كعادته والصليب الذهبي يلتمع وسط غبار غطى وجهه وصدره وبزته العسكرية, تحدثنا عن تفاصيل الاشتباكات التي دارت في الساعات الأخيرة وكان يتباهى بانه قد فلح في اصابة دباباتين بقذائفه فقلت ممازحا: -عرفتك بارعا في اصطياد العصافير ولكنني اعتقد بان الدبابة اكبر من العصفور بقليل واردفت قائلا -حين تموت سأدفنك في قبور المسلمين غرق غي نوبة من الضحك وكذا انا الي ان اغرورقت عيناه بالدموع مما لفت انتباه باقى الشباب فبدأ الجميع بالضحك بشكل هسترى ولكأنهم قرروا كسر جمود الخوف والخروج من انتظار بدأ يهتك بالقلوب مع اقتراب هدير الدبابات واصوات الطائرات المروحية فوق رؤوسنا, مضت دقائق طويلة خيم فيها الصمت على الجميع واطبقت الشفاه بصلابة غريبة, نظرت اليه وكان لايزال يدخن بقايا سيجارته المغبرة, مطأطأ برأسه كأنه يبحث في بقعة التراب عن ذاكرته وذاكرتنا جميعا, التفت إلي وقال: -حين اموت, إقرأ على قبري الفاتحة امسكت دموعي بقبضة يدي واغمضت عيناي, شيء ما اخترق حنجرتي فابتلع انفاسي وكلماتي, تعانقنا وسالت دموعى على كتفه, اصبح موته القريب حقيقة نشعرها كلانا ولكأنك تشتم رحيل من تحبهم وتقيم عزاءا مبكرا لهم داعيا كل ما كان لكما من تفاصيل وحكايات وطرقات التهمت اقدامكما في الرحلة بين البيت الي المدرسة وشجيرات اللوز التي لازالت تحفظ قصائد جبران وايلياء ابو ماضي وملعب كرة القدم الرملى الذي عاشرتموه طوال تلك السنوات العشرين الفائتة, تأتي كل المشاهد تجتمع وتحتفى باللقاء الأخير.... مع بزوغ الفجر تقرر ان تقوم مجموعة من المقاتلين باستكشاف الطريق الي كنيسة المهد, حيث بدأت القوات المهاجمة في قصف الجزء القديم من المدينة وبات واضحا بان هذه الابنية التي صمدت طوال مئات السنين ستبدأ بعد قليل بالإنهيار. كان اختيار كنيسة المهد بالتحديد لإعتقادنا بان اسرائيل لن تجرؤ على قصفها لما لها من مكانة عند المسيحيين وعند العالم اجمع, وهكذا تم اختيار عبد الله للقيام بمهمة التفاوض مع خورى الكنيسة للسماح ببقية المقاتلين باللجوء الي داخلها, ومع الظهيرة تم الاتفاق سرا على تسلل الفدائيين الي الكنيسة والاحتماء بداخلها. استمر القصف الاسرائيلي طوال ذاك اليوم وكانت المجموعات المحاصرة تقوم بالالتفاف على القوات المحاصرة والاشتباك معها لتخفيف وطأة القصف خوفا من انهيار أسقفة البلدة القديمة والسوق على رؤوس من تحتها, وهكذا ومع منتصف الليل بدأ عمليات الانسحاب كما كان مقررا وأوكل لعبد الله قيادة العملية واختيار مسالك آمنة للوصول الي الكنيسة. نجح عبد الله في ايصال مجموعتين وبقت آخر مجموعة تتبادل إطلاق النار مع القوات بغية منع عملية انزال المشاة الي الارض وكنت واحدا ممن بقوا, جاء عبد الله وكان التعب واضحا على محياه واخبرنا بان الوقت مناسبا للخروج الآن فلقد تلبدت السماء بالغيوم مما سيمنع تحليق الطائرات لفترة قليلة, حملنا امتعتنا وما تبقى من ذخيرة بحوزتنا وانطلقنا الي الكنيسة عبر الازقة الضيقة مضطرين للقفز عن اسوار المنازل الي ان وصلنا الي أسوار الكنيسة. إلتفت الي عبد الله, وارتسمت على شفاهنا ابتسامة كلانا كان يعرف مغزاها, فالشعور الاسود الذي سكننا لم يكن غير محض أوهام فها نحن قريبين من ملاذنا وقد تجاوزنا اختبار الموت الأول. قلت: -أذهب الآن وسألحق بك رد ضاحكا وقال: -انت ضيفي ومن واجبي ان اقدمك على نفسي, ودفعني امامه شددت على حقيبة الذخيرة واندفعت راكضا نحو باب الكنيسة المشرع وكنت اسمع وقع اقدامه خلفي تمام, وعلى بعد امتار قليلة كان رفاقي يلوحون وخورى الكنيسة بملابسه السوداء المعتادة يرقب الطريق من نافذته القريبة. دلفت إلي باب الكنيسة وانا لا أكاد التقط انفاسي من شدة التعب, احتضني رفاقي مهنيئين بالسلامة تعانقنا وتبادلنا القبل, مضت اقل من دقيقة وما انتبهت لعبد الله, إلتفت ولم اجده قربي, انتباني جزع شديد فهرعت الي باب الكنيسة باحثا عنه في الامتار القليلة التي تركتها خلفى.......... حصرت كنيسة المهد, لم يسمح لطواقم الصليب الاحمر بالدخول وتقديم العلاج للمصابين هناك ولا حتى بتزويد المحاصرين بالأغذية, تمركز قناصة الجيش الاسرائيلي فوق كل البنايات المحيطة بها طوال اربعة عشر يوما متشاغلين بقتل العصافير وتلك الحمامات البيضاء التي تربت هنا في ساحة الكنيسة, حتى تلك الزهور البيضاء نزفت طويلا قبل ان تدوسها أقدام اليأس والظمأ والانتظار. بعد تدخل اطراف عديدة تم الاتفاق على إخلاء الكنيسة من المقاومين وترحيلهم الي بلدان اوربية أو الي قطاع غزة كشكل جديد من النفى داخل اسوار الوطن الواحد. بعد مضى هذه السنوات الطويلة, لازالت اسمع القصص عن عبد الله, هنالك من قال بان رجلا يلتحف الكوفية الفلسطينية السوداء اخترقته رصاصت القناصة حينما اعتلى قبة الكنيسة ليرفع علما فلسطينيا, وآخر اخبرني بانه استشهد في اشتباك مسلح قرب السوق حين عاد ادراجه ليجلب أنجيله الذي قد نساه حين بدأت رحلة الانسحاب, وقبل بضعة اشهر اتصل بي واحد مما ارتضت روما ان تسكنهم خياما للجوء بانه قد رأى عبد الله هناك يعزف على جيتارته ويهيم في الشوارع ملتحفا كوفيته المعهودة. حين انتهيت من كتابة هذه السطور, فتحت درج المكتب لارجع اقلامي والورقة البيضاء الوحيدة الباقية, رأيته يجلس هناك وحيدا مكبلا بسلسلة هي اخرى من ذهب ..صليبا ينزف دما وانتظار.[/align] |
|
|
|
|
|
|
#2 |
|
اخي العزيز اورليانو
اهلا بك يا غايب بتغيب وبتجينا بتحفة رائعة مميزة كلها ترنيمات وبوح بما يدور في كل العقول الف شكر لك ايها المبدع الكبير والف شكر على سلاستك في السرد قليل ان اقول لك ممتاز ورائع كل الود من اختك ثورية |
|
|
|
|
|
|
#3 |
|
اخي العزيز اورليانو
اهلا بك يا غايب بتغيب وبتجينا بتحفة رائعة مميزة كلها ترنيمات وبوح بما يدور في كل العقول الف شكر لك ايها المبدع الكبير والف شكر على سلاستك في السرد قليل ان اقول لك ممتاز ورائع كل الود من اختك ثورية |
|
|
|
|
|
|
#4 |
|
[align=center]اورليانو ..
اسمح لي امسح نجاحك من على وجنتي .. ثم أعود .. دمت بسلام .. تحياتي ..[/align]
__________________
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
[align=center]تتعذب و تتغرب و تشرّد في بلدك
كل هذا يهون عندما تموت على ترابها أبدعت أخي الكريم / [glint]أورلـيــانــــو[/glint] فعلا ً أبدعت و أجدت الإبداع اللهم أنصرهم و فك حصارهم اللهم آمين ___________________[/align] |
|
|
|
|
|
|
#6 |
|
اتيت هنا لاتدرب والزهن على علقات اخرى ارتضيها
وواثور ثورة حقيقيه معك على التقلديه وازن الامور من منظور رمزى مصنوع على درجات الابداع هنا اورليانو والصليب المكسور وتحول منظومه السرد الى حلقه حماس وحقيقه واقعيه تحدث او حدثت .... قرائتها من قبل النشر وكنت انتظر ان تنشر بفارغ الصبر ولكن وقت قرائتها كانت لم تكتمل بعد اورليانو لى عودة للبحث عن دقه الصنع والتحليل والى ذالك الموعد كن على خير
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#7 |
|
مجرد حجز مقعد بالصفوف الأمامية .. لي عودة اكيده.. فالمكان يضج يالجمال . . .
__________________
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
|
عودت
ههههههههههههههه كالعادة شدنى عبد الله ذالك البطل الذى يزف دوما الى التاريخ عريس فنصنع من خلفه الحكايات الحماسيه التى تلهب العقوال وتدعوا الى الثورة اورليانو والحقيقه والبحث عن الجزور المصنفه (بقاء ) لا داعى هنا للنقد فالمشكله تعم بزاتها مقدمه طويله فقط ولكن كان الاسلوب الحوارى جديد ومدهش ووصلت القصه الى القصه الحواريه عزيزى كل تحياتى
__________________
![]() |
|
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|