|
||||||||
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
|
#1 |
السـِّــياج ........ !!
السـِّــياج كانت الظلمة لا تزال مستعصية على الغروب ، زنزانتي تتلبسها العتمة التي احــتوتني ، أثرتُ أن أدعي تلك الخصوصية ، شعرتُ أنها تعنيني ، فقد أينعت أفكاري الجــنــونــية فيها ، تقلصت رائحة العدم في أرجائها ، كنت متيقناً أنها ستلفظني إلى زنزانة أخرى ، ربما أجدُ بها ذات الخصوصية . شعرت بأقدام تتلعثمُ في مشيها باتجاه زنزانتي ، صوتُ الأقدام خبا بــجوار بـــابـــي ، دخل السجان ، صرخ باسمي فالتفتُ للوجوه من حولي التي لا يعنيها الاسم ، نهضتُ من مكاني فأمسك بيديَّ وكبلهما بقيوده . أُدخلتُ إلى حجرة صغيرة يقبع داخلها ضابط ، وقفتُ بجانب الباب ، أنهيا إجراءات لم أجهد نفسي في معرفتها . اتجه بي للخارج وبيده الأُخرى ملفٌ محشوٌ بالأوراق ، أُخذتُ إلى عربة ذات سياج حديدي على النوافذ ، كان فيها من يؤنس وحدتي ، يفصلُ بيننا وبين السائق ومرافقه نفس السياج ، أيقنتُ حينها أنَّ زنزانتي ، عذراً من كانت كذلك ، قد لفضتني إلى بحر سيمجني إلى المجهول . أشعلتُ سيجارة كنت قد طلبتها من السائق فأعطانيها بكل ود ، رحتُ أتنفسها مخترقاً بنشوتها سياج العربة إلى عالم روحاني مختلف عن الحاضر الــمــقـــيــــت ، تمددتُ بعدها لأسبح في نوم تخللته انتباهات . انتبهتُ من العربة لأجدني في مكان يُشبه تماماً السجن الذي كنت أقبع فيه ، ربما أكثر اتساعاً منه ، خمنتُ أن تكون الزنزانات فيه أكثر اتساعاً أيضاً ، كانت تجمعني بمن في العربة قيود حديدية ، أُخرجنا بعد دقائق من توقفنا من الــــعـــربة ، كان السجّان يدخلنا واحداً تلو الأخر كلٌ إلى زنزانته ، انتهى الدور بي في واحدة لا تختلفُ عن زنزانتي ، أيقنت حينها أيضاً أنَّ مقاول الزنزانات شخص واحد . الوجوه لا زالت تحدِّق بي كأني زائر مرّيخي ، الأسرَّة مملوءة إلاّ واحداً ، فاتجهتُ إليه غير عابئ بالنظرات ، ارتميتُ عليه مُجهداً وغفوتُ غفوة أبدلت النشاط بالإجهاد ، كانت الوجوه لا تزال تتفرس في وجهي ، أشغلتُ نفسي بالتجول في أرجاء الزنزانة ، أمارسُ هوايتهم في التحديق بوجوههم ، وجـــــــدتُ الـــمـــتــعة في ذلك . كان يجلسُ بجانبي رجل يكبرني بكثير سناً ، يطالعُ المدى البعيد عبر سياج النافذة ، شعرتُ بأنَّه لا يألف السجن ولا يألفه ، رجلٌ أسمرُ الوجه ممتدُ القامة ذو شعرٍ أسود وذقن كث . بدأ حينها شيطاني المولود في أودية الــــظلال بممارسة هواية الــــــتطفل ، التفـتُ إليه وناديته يا عم . أشار بيده إلى صدره ، أومأ قائلاً : إياي تعني ؟ بادرته قائلاً : نعم .. كنتُ قبل أن أبدأ الحديث معه قد أعددتُ للبداية .. قلتُ : ما اسم هذه المدينة ؟ مع أني كنتُ أعرفها . أجابني أنها تُدعى ( وعْرَه ) ، فــنما إلى ذاكرتي ما حــــصل في طــريــقــنــا إلــى هنا ، بأننا حين إحدى إنتباهاتي كُنّا نصعدُ جبالاً ، استملحتُ لذلك اسمها . شعرتُ حينها بشيطاني يتربع على عرش التطفل ، قمتُ بإعداد كوبين من الشاي دون شعور مني بالحرج لقرب وصولي ، أعددته تهيئةً لحوار جديد ، مددتُ إليه كوبه . بادرني بـ ( شكراً ) يا ولدي، بابتسامة مصطنعة يتساقط منها الذبول ، بدأته بالحديث عن زنزانتي والرحلة إلى هنا ، بأنني قد بنيتُ معها علاقة استصعبتُ أن أتركها إلى غيرها . قاطعني قائلاً : ماذا عن من أمضى عشرين عاماً في زنزانته ؟ أردتُ سؤاله عن ذلك الشخص فقاطعني : أنا مثلاّ لم أتزحزح من مكاني هذا منذ عشـرين عاماً . شعرتُ بقشعريرة تتسرى في جسدي ، بزوبعة أسئلة تتلوى على شفاهي ، بادرته بعدها سائلاً : هل أمضيتَ تلك المدَّة في السجن ؟!! تنهدَ بحرقة تلمستها من الموقف ، أجابني بنعــم . أحسستُ بعدها بشيطاني وقد استنعج بعد استئساده ، بأنَّ شِباكَهُ لم تستقر إلاَّ حول جسدي لا جسده . حدَّق إلـيَّ وسألني عن سبب مجيئي إلى هنا ؟. وبانقياد مغرض أجبته : إنني اختلستُ أموالاً كانت في عهدتي من عملي فبتُّ سجيناً دون أن أتلذذ بها . بادرتُهُ قبل أن ينقطع الحديث عن سبب سجنه أيضاً ، حاول أن يتنصًّل عن إجابتي لكنني أصررتُ عليه بنظراتي . أجابني بعد صمتٍ قصير وقال : ارتكبتُ جريمة قتلٍ ، وصَمَتْ … انتابت أطرافي رعدة من كلماته ، لكني استرجعتُ رجولتي الذابلة وقُلتُ لماذا ؟. أجابني : قتلته لأجل قطعة أرضٍ كلٌّ منَّا يريـدُ ضمّها إلى أملاكه ، ذات صباحٍ مضيتُ متأبطاً شرّاً ، لم أبذل جهداً في إثارته ، لم أشعر إلاّ ويــــدي تـــمــتــدُّ لجيبي ، تُخرج مسدساً وتضغطُ على الزناد ، أرديته قتيلا ، جُررتُ بعدها وإلى الآن هنا . قال كلماته وانهار على سريره جسداً بلا حراك ويده على صدره متنفساً بصعوبة بالغة أسمعها من حشرجة صدره ، وتجاعيدُ وجهه تنقبضُ تارة وتــنــفـــرجُ أُخرى ، آثرتُ حينها أن أتركه ليرتاح بعد أن أحرق الأخضر واليابس من تطفلي بكلماته . مرَّ ذلك اليوم وقوافلُ الأفكار ترتحلُ بي من قفرٍ إلى قفرٍ ، حتى أنّي نسيتُ ما قذفتُ بسببه في السجن . في اليوم التالي ، كان الرجل يجولُ بنظراته إلى المدى البعيد ، بادرتُ لعمل كوبين من الشاي وأنا أُفكرُ أنه ينتظرُ ، سألتُ نفسي لم إلى الآن لم يُــنفذ فيه الحكم ؟ انتهيتُ من عمل الشاي ، مددتُ له كوباً ، أخذهُ متردداُ ، طفقتُ أرتشف من الشاي ، بادرتُهُ فجأة بسؤالي دون أن أُفكر في قسوة السؤال ، قلتُ له : كم حُكم عليك بالسجن ؟ مع تيقني أنَّ الحكم في هذه الأحوال هو الموت . فاجأني بإجابته : أنتظرُ الإعدام ، للرجل الذي قتلتُهُ ولدٌ بلغ الآن عشرين عاماً وسوف ينفذُ الحكم إذا لم يعفُ . شعرتُ بأنّه يموتُ مع كل دقيقة انتظار . مضت أيامٌ كنتُ قد تخلصتُ فيها من شيطاني تماماً ، وكذلك كان الرجل قد قذف بلُغته عبر سياج النافذة ليستردها حين يشاء . صبيحة يوم دخل سجانان واقتادا الرجل خارجاً ، شعرتُ أنّه الموت قد أتى يـــطــلبه . كان أبي قد قدم إلى المدينة ، قدّم إلى إدارة السجن تقريراً يتهمني فيه بالجنون ليس حباً في المرض لي ولكنها أحد الحلول لخلاصي من براثن السجن ، وبأنه قد أعاد الأموال التي اختلستها ، وحمل إلـيَّ فصلاً نهائياً من محل عملي وتنازلاً عن الإدعاء ، وخرجتُ ... سألتُ ضابطاً : إلى أين اقتادوا ذلك الرجل ؟. فأجابني بعدم مبالاةٍ : إنَّ حكم الإعدام سينفذُ فيه اليوم . كان أبي يُمسك بيدي وكأنني طفلٌ يخاف عليه أن يضيع في الزحام . قلتُ له : إنني أرغبُ بزيارة صديق لي هنا ، أقنعته بذهابه إلى القرية بصعوبة بالغة وبأني سألحقه في الغد ، وقد كنتُ عازماً على الذهاب لـــحـــضــور الــقصاص ، سألتُ عن الساحة حتى وصلتُ إليها ، كان هنالك جمعٌ غفيرٌ من الناس يحيطون بالساحة ، وأيضاً كثيرٌ من رجال الأمن يحيطون بها ، وبعد دقائق حضرتْ عربة إلى الساحة ، وأُخرج منها الرجل يتعثر في خطواته لــوســط الساحة ، جال بنظراته المتعثرة إلى الوجوه فاستوقفه وجهي ، أشار لرجل أمـــن وحدثه قليلاً ، فعرفتُ أنَّه استردَّ لغته الآن . أقبل رجل الأمن إلـيَّ ، قال بأنّه يريدني ، مضيتُ إليه . بادرني قائلاً : إنني منذ عشرين عاماً لم تتجول عيناي إلاّ من عبر ســيـــاج الــنــافذة، اكتشفتُ أنَّي فقدتُ بصري ، لم أستعده سوى اليوم . ثم أردف قائلا : استدعيتك كيلا تموت قصتي التي قلتها لأول مرة لك ، أستحق الموت ولم أعد أرهبه لأنّي ميتٌ منذ عشرين عاما . عُدتُ بعدها إلى مكـــــاني ، اقـــترب رجل تلبسه وحشٌ يحملُ في يده (….) وقف بجانب الرجل ، جثا الرجل على ركبتيه ، رفع الوحش (….) ، هوى بها على رقبته ، تدحرجَ واستقر رأسهُ بجانبي ، عيناه متجهةٌ إلى وجهي ، تجاعيدُ وجهه تنقبض تارة وتـنـفـرج أُخـــــرى . . ـــــــــــــــــــــــــ معافا... مدن
__________________
[align=center] (( اللهم انصـــــر إخواننا في فلسطين )) يا راحلاً وجميلُ الصّــبرِ يتبعُهُ هلْ من سبيلٍ إلى ُلقياكَ يَـتّفِـــقُ ما أنصفتكَ دُموعي وَهيَ دامية ٌ ولاَ وفىَ~ لكَ قلبي..وهـوَ يحترقُ [/align] ُمدنُ w5a8oo |
|
|
|
|
|
|
#2 |
|
السجن و الجريمة بين العقاب و مرارة النهاية ، نستوحش الغياهب السوداء لتلقينا على معترك المنية الغبراء ...
ما هي الأسباب الكامنة وراء هذا القيد الدامي ، و كيف تتوالى السنون لترمي على حافة الزمن شظايا عمر تآكل خلف قضبان الإهمال ؟؟ العمر و الأمل و الرحيل عن أرصفة الحياة تتشابك لتحل محلها غيوم رمادية الرؤى ....أكان فعلا حكما عادلا ؟؟؟ للموت عدة وجوه و للرحيل عدة وجوه و كلنا يتقمص دور المسافر مهما اختلفت لوازم السفر .... كان الاعدام أرحم بكثير من البقاء بين لظى السجن الكئيب ، عشرون عاما و هو يتمرغ في وحل الانتظار و ما أمره من انتظار .. انتظار شبح الموت الطيب و هو يزف لأعناقنا خبرية الفكاك ... و فعلا ....كانت له الحرية ... " مدن الملح " سردية محكمة ، و دلالات عميقة و النهاية كانت متوقعة .. على فكرة أنا من مناهضي عقوبة الاعدام ...لكن ما العمل إذا كانت البلد تعج بالسجناء ، فبدل بناء مدارس تعليمية و أماكن للراحة و الاستجمام ، أو مكتبات ثقافية و معاهد فنية ، فإن الدولة و لله الحمد تحب شعبها كثيرا لذلك تستبدل كل ما ذكر آنفا في تشييد سجون و معتقلات .. معذورة فهي تخشى على المواطن من الجريمة ... أستغرب لما فكر أفلاطون في عالم كعالم المثل ...تعبت من تنشيط المادة الرمادية إلا أنها لم تصل لإجابة تذكر .. صديقي ..قرأت لك فأبدعت ... واصل اتحافنا ..... ** تحية من قلم عصية الدمع **
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#3 |
|
اخي مدن الملح الان اقول اخي
قصة رائعة لقلم اروع غنية وزاخرة بالمفردات الرائعة تشف عن انسان واعي ومثقف احييك على قلمك الفز وسردك المتميزفالاجمل من القصة هو اسلوبك الرائع في الصياغة سلمت يمناك اخوي فقد ايقظت بداخلنا حب اللغةوروعتها وجمالها من خلال هذا السرد الانسيابي فكم صعب انتظار الشي فما بالك ان كان الموت فالانتظار صعب ومميت هو الموت في كل لحظة احييك مرة اخرى اخي ودائما تتحفنا بمثل هذي الروائع ودوم الابداع والتألق ولك مني جزيل الشكر والتقدير
__________________
[align=center] [/align]
|
|
|
|
|
|
|
#4 |
|
متعب هو السير في طريق الموت .. عشرون عاماً مثقلة بالوجع !!!! والمؤلم حقاً .. أن لحظة غضب قصيرة قد لاتتجاوز الدقائق تكون من تسبب في إنقضاء بقية العمر .. خلف جدار .. وسياج ! مدن الملح تعلم جيداً شغفي بكل ماتكتب .. . . جورية بيضاء اهديها لجمال ماقرأت .. ولك اهدي .. اعذب التحايا والود ..,,
__________________
![]() ؛ صاح الزمن بـ أيامه البيض عجلات ... ولا بقى لك غير سود النكوفه قريت تاريخ الـ هوى عشر مرات ... وآخر سطر مابيّـنت لي حروفه ..! |
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
دوما رائع فى كتباتك تجبرنى ان اقدم فروض الاعجاب
دمت ولى عودة اكيدة
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#6 |
[GRADE="000000 00BFFF 000000 00BFFF 000000"]الأحباب :
عصية الدمع & عطر الكلام & ـالهنوفـ ؛ شكرا لهذا المرور.. ولإن أهدت الهنوف هذه الوردة البيضاء للحروف.. فأقول ((وجودكم هنا هو الورد عَينـُـهُ الذي لاغنى عنه، وهو عطر المكان)) .. سلمت الأيادي ..[/GRADE]
__________________
[align=center] (( اللهم انصـــــر إخواننا في فلسطين )) يا راحلاً وجميلُ الصّــبرِ يتبعُهُ هلْ من سبيلٍ إلى ُلقياكَ يَـتّفِـــقُ ما أنصفتكَ دُموعي وَهيَ دامية ٌ ولاَ وفىَ~ لكَ قلبي..وهـوَ يحترقُ [/align] ُمدنُ w5a8oo |
|
|
|
|
|
|
#7 |
مرمر
[GRADE="000000 DC143C FF1493 808080 000000"][GRADE="008000 FFFFFF 32CD32 008000"]الحبيب الغالي عماد الدين .........
من أيام الرّف والأقفال الخشبية لم أتحدث إليك ..!! فلستُ أدري هل بُخلك علينا هو الذي جعل الربوع والفضاءات تتغلف بالزّبد! أم أنه مرور الإنحنآت في جسد العمر أخجلك وجعلك تتوانى عن أن ترفع عصاك وتهش بها على حروفك آمراً ناهياً كما عودتنا!! أم أنّ شيئاً آخر يكمن لا أعلمه ,,, أما أنا فقد فقدتُ وجودك هنا.. فهل من عودة ؟؟ من بين الحنايا أشكر لك هذا الأثر الذي تركته هنا... مدن[/GRADE][/GRADE]
__________________
[align=center] (( اللهم انصـــــر إخواننا في فلسطين )) يا راحلاً وجميلُ الصّــبرِ يتبعُهُ هلْ من سبيلٍ إلى ُلقياكَ يَـتّفِـــقُ ما أنصفتكَ دُموعي وَهيَ دامية ٌ ولاَ وفىَ~ لكَ قلبي..وهـوَ يحترقُ [/align] ُمدنُ w5a8oo |
|
|
|
|
|
|
#8 |
|
عودة تلك المرة ودخولا وخروجا وهبوطا وصعودا الاف المرات استحقت قصتك القرائه دار الى ذاكرتى تلك الاحداث ورحت استعيد البعض من زمن فات لموقف مشابه تماما مع اختلاف الاحداث عشت تلك القصه هناك وعودت لاجدها هنا تسكن فسكنت هنا بعض من الوقت ..... وها انا افيق كى اكتب ...... ترى ما الاصعب السجن داخل النفس او السجن خلف السياج السجن داخل العمر الذى يجرى متخبطا ام السجن خلف قضبان تحكمه قيود حدديه ايها الاصعب القيود والسلاسل ااو السجن داخل الجسد ايضا ايهما اصعب انتظار الموت ام الموت المفاجئ كانت تلك الاسئله المطروحه لدى الكاتب هنا وعلينا الاجابه ........ ذاك الجيش المرعب من الانتظار للموت او الحياه المرهونه بكلمه العفو كم هى قاسيه حلقه الامل واليأس هذا ما ارد الكاتب ان يصوغه بطريقه رائعه جعلتنى لا افيق الحدث الا عند الانته |