|
||||||||
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
|
#9 |
|
مقطع رابع
كان عبد العظيم يمتع نظرة برؤية الطبيعية الجميلة التي تحيط بجوانب الطريق الطويل الممتد كالافعى راسها في بغداد وذيلها عند البصرة قاطعا ذلك الممر ببساتين النخيل الباسقة الواقعة كتماثيل الالهة وهي تحمل عذوق التمر الزاهية الالوان بين صفراء وحمراء وسوداء وذهبية وبعض الفلاحين ارتقى اعلى نخلة ليقطف ما نضج من التمر وان كان شهر حزيران ليس بشهر قطف التمور وبدا الفلاح كانه عصفور يتدلى من اعلى شجرة.
نظر عبد العظيم الى الشمس مرة والى ساعته مرة اخرى فتذكر شيئا ونظر عبر المراة الجانبية الى السيارات التي تسير ورائه فخففت السرعة وسرعان ما مال الى الجانب الايمن من الشارع وتوقف ونزل من مقصورته واتجه مسرعا الى نهر صغير اختلطت مياهه بالغرين ورفع اكمامه واخذ يتوضا استعدادا لاداء فريضة صلاة العصر واكمل وضوءه واتجه الى ارض منبسطة وبدا باقامة صلاته. سواق الشاحنات الاخرى استمروا في متابعة السير بعد ان نظروا عبر شبابيك مقصوراتهم الى عبد العظيم ليتاكدوا حيث لا طارئ حدث له ولا سبب لوقوفه غير اقامة صلاته وتقدموا الى الامام. لكن اخر شاحنة كان يقودها رجل ضخم الجثة مفتول الشارب واسع العينين ابيض اللون اشقر الشعر توقف على مقربة من شاحنة عبد العظيم ومد سائقها يده الى تحت مقعده واخرج جهاز لاسلكي وبشكل خفي تحدث في الجهاز. الاشقر ـ صقر… صقر… صوت اللاسلكي ـ نعم طارق اجب… الاشقر ـ لقد توقفت الشاحنة لبعض الوقت. اللاسلكي ـ ماذا حدث؟ الاشقر ـ السائق عبد العظيم يقيم صلاة العصر. اللاسلكي ـ راقب الوضع بدقة. الاشقر ـ حاضر سيدي. وظل الاشقر يراقب عبد العظيم عن بعد حتّى اكمل صلاته ودعاءه ومن ثم اتجه الى شاحنته وحركها واتجه الى الامام ولكنه قبل ان يتحرك لاحظ في المراة الجانبية لسيارته وقوف احدى شاحنات القافلة على بعد والسائق الاشقر، لم يستطع ان يدرك سبب انتظار تلك الشاحنة ولكنه فسرها بانها نوع من المراعاة العملية للاصدقاء ومن خلال توقف وانتظار ذلك الاشقر ادرك بانه الرجل المسؤول عن سلامة وحركة القافلة من قبل شركت النقل وسلوكه دل على ذلك.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#10 |
|
مقطع خامس
كان فاضل يتمشى على حافة نهر صغير يغدق احد البساتين بمائه الفياض ويداعب بيده بعض امواجه ونظر الى صاحبه الذي يبتعد عنه امتارا وقال:
فاضل ـ لولا الحاجة الماسة لرؤية السائق وشاحنته لما بقيت هنا اتحمل كل هذا الحر الشديد. فضحك صاحبه وقال: الرجل ـ وتقول باني لست شمع عسل لكي اذوب… شعر فاضل بشئ من الغضب لاستهزاء صاحبه به واجاب مستهزءا. ـ دعنا من هذا الكلام الفارغ هذا الحر لا يتحمله حتّى الحمار. ـ ارجع الى السيارة وتمتع بهواء المكيف. ـ لقد ضجرت من الجلوس ساعات داخل السيارة… في تلك اللحظة سمع صوت من جهاز اللاسلكي… ـ صقر.. صقر… نحن الان في الطريق اليكم خرجنا من العزيزيه ونحن ندخل محافظة الكوت.. ـ استمروا في التقدم… ـ حاضر سيدي .. ـ مع السلامة .. ـ مع السلامة…
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#11 |
|
مقطع سادس
حاول عبد العظيم ان يلحق بالشاحنات التي تقدمته وليلحق بالقافلة فاشتد ضغط الهواء وفتحت احد ابواب الثلاجة واخذ التيار يعبث بالداخل ويحمل الاوراق التي كانت تغلف البرتقال داخل الصناديق وينثره على جانب الطريق وبعض صبية الفلاحين على جوانب الشارع كانوا يتراكضون ويجمعون تلك الاوراق الملونة التي طبع عليها صورة للبرتقال وكتب تحت الصورة (برتقال يافا) بالعربية والانكليزية في تلك اللحظات عبد العظيم كان ينظر الى شيئين الاول شاحنة الشقر التي تلاحقه كالظل بسائقها الاشقر الصامت والذي لا تحلو له سوى قيادة الشاحنة والنظر الى الامام والشئ الثاني رؤية الفلاحين من رجال ونساء واطفال وهم يجمعون الملح من اطراف تلك البرك الصغيرة المنتشرة هنا وهناك والتي قد جفت اطرافها فكونت طبقة ملحية بيضاء حتّى ليتصور المرء انها صحون بلور صيني عظيمة حوت على مياه صافية شفافة غدت كالمراة صور الغيوم البيضاء الصغيرة المتناثرة في السماء.
بدا عبد العظيم يقترب من القافلة التي سبقته عدة كيلومترات ووراؤه السائق الاشقر عند مدخل محافظة العمارة ولتقطع القافلة تلك المدينة التي تدل معالمها وشوارعها وبيوتها على الفقر والتخلف الكبير الذي تعيشه ومن ثم لتعبر جسرا يمر من فوق نهر الفرات الى الجانب الاخر حيث الطريق المُعبد والمتواطل الى حدود محافظة البصرة. وتظل تلك القافلة سائرة باتجاه الجنوب لتقطع طريقا قلما يرى الانسان في حياته مثل ذلك المنظر، انها الاهوار بكبرها اللامتناهي فالعين لا ترى سوى الماء والسماء عن بُعد وبرك كبيرة ممتدة عبر مئات الكيلومترات وحشائش مائية كثيفة وقصب قد غطى عشرات الكيلو مترات تختبئ وراءه اسراب من الطيور المائية والحيوانات النهرية. واجمل واغرب مناظره تلك القطعات الكبيرة من الجاموس الاسود بضخامة جثته وكبر قرونه ومنظره المخيف. كانت تلك القطع السوداء تسبح في مياه الهور ليل نهار وفي مرات عديدة تسببت في ازعاج السائقين حين تنتقل من جانب الشارع الى الجانب الاخر ولذلك فان السرعة لابد وان تخفف حتّى تقطع السيارة طريق الاهوار خوف الاصطدام بقطعان الجاموس الاسود… القافلة تقترب من موقع مدخل البصرة والليل يبدا يسدل ظلامه على المنطقة ورجال شرطة المرور وضابطهم بدؤا يتحركون بعجلة وبشكل سريع في ايقاف السيارات فجاة وتفتيش اجازات السوق وبدات الاسئلة والمحادثات مع سواق السيارات على حين غره وتحرك رجال الاستخبارت باتجاه القافلة بشكل متفرق وبدات حركة غير طبيعية ومصطنعة لرجال الشرطة والاستخبارات حول الشارع واوقفت القافلة وطلب من سائقيها التوقف على جانب الطريق والترجل من مقصوراتهم ونظر احد رجال الاستخبارات الى شاحنة عبد العظيم واشار الى فاضل بالنظر الى الشاحنة والى وجه عبد العظيم. كان رجال شرطة المرور لا هم لديهم ولا عمل سوى ايقاف القافلة وتفتيش اوراق سائقيها، واصحاب السيارات المارة الاخرى كانوا يخففون من سرعة سياراتهم عند مشاهدة تلك المفرزة ولكن سرعان ما يندهشون حين لا يجدن من يسئل عن شئ من اوراقهم او من يفتش سياراتهم فينطلقون مسرعين مرة اخرى وسرعان ما يعاودون تخفيف السرعة عند مشاهدة سيارات رجال الاستخبارات ويتعجبون اكثر حين لا احد يدعوهم الى الوقوف او التفتيش او النظر الى الوجوه ويعاودون المسير باسرع صورة للابتعاد عن نقطة التفتيش التي تحولت الى عقدة في نفوس العراقيين فلا يصدق المرء بانه مر سالما حتّى ينتهي من المرور من امام نقطة التفتيش. رجال شرطة المرور قاموا بجمع سائقي القافلة وقام الضابط بنفسه باهداء السائقين الى قهوة (جاي خانه) على جانب الدرب يجتمع عندها السائقون والمسافرون ليتناولوا الطعام او شرب الماش والشاي عند الضرورة واغتنم بعض رجال الشرطة ذهاب السائقين الى داخل القهوة وبداوا بحمل البرتقال من الصناديق لهدف الاكل كعادتهم وكعادت اكثر شرطة العالم الثالث!! والتفت احد افراد الشرطة ونظر الى الشاحنة الاخيرة فوجد السائق الاشقر لا زال جالسا في المقصورة الامامية فاراد التوجه اليه لينزله من مكانه ويبعثه الى داخل القهوة ولكنه لاحظ احد رجال الاستخبارات يشير له عن بُعد وبعلامة معناها الابتعاد عن المكان فترك الشرطي السائق الاشقر في مكانه وابتسم وبادر باخذ تحية احترام لرجل الاستخبارات وابتعد عن المكان ورفقاؤه والكل قد ملئ عبه بالبرتقال وكل واحد يحدث الاخر بتعجب. الاول ـ ابو احمد انها لعجيبة برتقال وفي شهر حزيران. الثاني ـ اي والله انها لعجيبة برتقال وفي شهر حزيران. الثالث ـ الاردن تصدر البرتقال في الصيف ونحن لا نجده الا في الشتاء. الاول ـ اشك انه اردني فارض الاردن لا تختلف كثيرا عن ارضنا. الثاني ـ وكيف عرفت؟ هل زرت الاردن؟ الاول ـ نعم زرتها في سنة 1967 ايام الحرب مع اسرائيل… وبعد لحظات من الصمت صرخ بقوة… ـ اه… تذكرت نعم كنا هناك في شهر حزيران ايضا نعم… نعم.. كانت الحرب اسمها حرب حزيران وكان في بعض حوانتي اسواق الاردن برتقال. ولكنه كان ياتي من اسرائيل… الثاني ـ ماذا من اسرائيل..؟!! الثالث ـ هيا يا رفاق ابتعدوا عن المكان بسرعة وما علينا الا ان ناكل البرتقال فقط… لا يهمنا ان جاء نم الاردن او من اسرائيل.. ابتعد رجال الشرطة من المكان وهم يضحكون ولكن علامة سؤال كبيرة ظلت مرتسمة على وجوههم تقول… هل حقا هذا البرتقال من اسرائيل. وسرعان ما تناسوها فالبحث في مثل هذه الامور لا يجلب سوى متاعب جمة. رجال الاستخبارات تحركوا باتجاه القافلة وتستروا بجنح الظلام الذي بدا يرخي سدوله على المكان بعد ان ودع قرص الشمس سماء البصرة وغطى وجهه خلف اشجار النخيل التي غدت كاشباح مخيفة عظيمة القامة تحيط بارجاء الدرب وجوانبه، ولا ضوء ولا ضياء في المكان الا بصيص ينبعث من مصابيح السيارات المارة عبر الشارع. وظل فاضل يراقب شاحنته عبد العظيم تارة ويذهب تارة اخرى الى داخلا المقهى لينظر الى وجه عبد العظيم ويتسلل اثنان من رجال الاستخبارات وسط الظلام الى اسفل شاحنة عبد العظيم وبدؤا يعبثون بها بعد ان وقف اخرون على بُعد يراقبون المكان ويبعدون كل من يقترب اليها. ولا احد من سائقي القافلة في الخارج سوى الاشقر الذي ظل يتابع ويراقب ما يفعله رجال الاستخبارات بعينيه الواسعتين الثاقبتين ودون ان ينبس بحركة وسط ظلام مقصورته كما ان رجال الاستخبارات لم يقتربوا منه ابدا. واثناء عبث رجال الاستخبارات بالشاحنة لم يسمع الا اصوات لالات حديدية توضع وترفع من على الارض كمن يضع شيئا في الشاحنة او يغلق شيئا وفي تلك الاثناء سمع دوي طائرات حربية تحلق في السماء وسرعان ما سمع دوي صفارات الانذار عن طريق الراديو الموضوع داخل القهوة وراديو اخر موضوع في احد سيارات رجال الاستخبارات فخرج من اسفل الشاحنة الرجال الذين كانوا يعبثون وكل واحد ينظر الى صاحبه وسط الظلام. الاول ـ ماذا تفعل؟ الثاني ـ لا ادري.! هل تكمل العمل؟ الاول ـ لا ادري فاني خائف… الثاني ـ ولكن لا وقت لدينا. الاول ـ لننتظر حتّى تنتهي الغارة انها طائرات ايرانية واخاف ان يقصفوا المكان. الثاني ـ حسنا لنبتعد عن المكان ثم نرجع بعد انتهاء الغارة. فر الاثنان باتجاه البساتين الموجودة على جانب الدرب وفر الاخرون ايضا وما كاد الاول يتقدم باتجاه البستان حتّى وجد نفسه قد وقع وسط نهر صغير لم يلاحظ في الظلام وما استطاع الا بالكاد ترفع ان يخلّص نفسه من مستنقع من الطين وقد غطاه من الاعلى الى الاسفل ومن شدة الغضب صرخ ينادي صاحبه. الاول ـ ابو انتصار اعطيني يدك بسرعة؟ فجاءه ابو انتصار مسرعا ومد يده وخلصه من ورطته وهو يغص ضحكا على منظر صاحبه. الاول ـ تضحك علي وانا في هذه الحالة! ولم يجبه صاحبه الا بمزيد من الضحك… وبعد لحظات شاهدوا عشرات من الاشباح في الظلام وهي تركض هنا وهناك لتختبئ خوف من القصف ومن لغو الكلام ادركوا ، كل المجتمعين في القهوة من سواق ورجال شرطة وحتى رجال الاستخبارات قد هربوا بنفس الاتجاه الذي اختباوا به في البستان. دقائق وسرعان ما سمع صوت انفجارات عديدة دوت على بُعد منهم ويبدوا ان الطائرات الايرانية قد قذفت بحمولتها على مناطق في البصرة وشوهدت عن بُعد اضواء الانفجارات وهي تشعل سماء البصرة بضوء احمر من اثر الانفجار وتحول الى ضوء اصفر من اثر لهيب النيران التي اشتعلت بعد الانفجار. ومن ثم ساد المكان صمت عميق قطعته صافرة الانذار ثانية لتعلن انتهاء الغارة، وخرج المختبؤون من اماكنهم فرادا يتجهون الى المقهى مرة ثانية على اثر ارشادات رجال الشرطة وقادوا السائقين مرة اخرى حتّى كادوا يدفعونهم دفعا الى داخل الشاي خانة. ظل فاضل يراقب شاحنة عبد العظيم عن بعد ورفاقه يقومون باكمال مهمتهم اسفل الشاحنة وسرعان ما خرجوا من الاسفل واعطوا عن بُعد علامة تدل على انتهاء اكمال المامورية. وابتعد رجال الاستخبارات من شاحنات القافلة واتجهوا الى سياراتهم وركب فاضل معهم وغادروا المكان وسرعان ما اتجه رجال شرطة المرور الى سياراتهم ودراجاتهم النارية وغادروا المكان ايضا بسرعة.. وخرج سائقوا الشاحنات ولم يدركوا سبب توقفهم بالضبط حيث كان التفتيش روتينيا الى حد كبير ولم يفعل ضابط المرور ورجاله شيئا سوى الحديث وقضاء الوقت بالمجاملات والنكت والاحاديث المتقطعة التي لا ترتبط بعضها بالاخر… واتجه عبد العظيم الى شاحنته دون ان ينتبه الى ما قد حدث اسفلها واعتلى مقصورته وتحرك بشاحنته كباقي السواق واراد ان يستدير باتجاه الطريق المبلط فاخرج راسه من الشباك ليراقب الشارع وفي لحظة شاهد الاشقر جالسا في مقصورته يراقب كل شئ كعادته. استدار عبد العظيم واستقر في الشارع ومضى بسرعة وسط الظلام متجها الى البصرة يتبعه الاشقر.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#12 |
|
مقطع سابع
ظل فاضل سارحا في فكره وهو يقود سيارته اليابانية ليدخل الى البصرة ومحاولا عدة مرات من استرجاع السائق عبد العظيم في ذاكرته وصورة شكل شاحنته وعلاماته الفارقة ولونها، ومد يده الى داخل جيب بنطلونه واخرجها بعد ان قبض على ورقة صغيرة نظر اليها ليحفظ منها رقم الشاحنة ونم ثم اسدلها مرة اخرى في جيب قميصه وتابع السير داخل شوارع البصرة وعند وصوله الى ساحة المعقل كانت الساعة تشير الى العاشرة ليلا فاشار له رفيقه الذي كان الى جانبه بالتوقف فتوقف عند الساحة.
ـ حسنا انا ذاهب الى مهمتي الخاصة فقد انتهيت من المامورية. ـ قالها وضحك وضحك معه فاضل وقال له. ـ اعرف كيف تقوم بمهمتك الخاصة. ـ اني لا اجيد العمل مثلما اجيده في مهماتي الخاصة. ـ وخصوصا مع شكرية الراقصة. ـ انها رائعة انها تفيض بالشهوة والانوثة. ـ نعم ليس لها مثيل في النوم معك ومع الف واحد من امثالك (يضحك) خرج رفيقه وهو يضحك بقوة وسار يخطى سريعة باتجاه الملهى الليلي الذي كان يطل بواجهته على ساحة ام البروم وعلى بعد مائة متر يستطيع المرء ان يشاهد الصورة الكبيرة للراقصة شكرية. ودع فاضل رفيقه بابتسامات سخرية ونظرات ملؤها الاحتقار وهز براسه حرك سيارته متجها الى الامام. وظل يسير وسط شوارع البصرة مارا من امام سوق حنا الشيخ وليدور الى كورنيش البصرة المطل على نهر شط العرب وسرعان ما توقف عند باب بيت كبير اطلت شرفاته على الشارع ونظر الى احد شبابيكه فراى المصباح الكهربائي مضيئا فنزل من سيارته واتجه الى باب البيت وضغط على الجرس مرتين بسرعة والمرة الثالثة كانت طويلة فادرك من في داخل البيت العلامة ففتحت الباب بصورة اتوماتيكية وادلف فاضل الى ان وقف داخل صالة كبيرة في البيت حيث رجل كثيف الشعر ولولا انه لم يحلق لحيته لوجدته كتلة من الشعر المهدول المجعد من اعلى راسه والى اسفل صدره المفتوح حتى عيونه كادت ان تستر وراء شعر حاجبية الكثيفين ووجه الاحمر. تقدم فاضل من الرجل الذي يضع يديه في جيبي (لباسه الليلي) والذي لاح من ورائه كل صدره والكثير من سيقانه البيضاء. نظر فاضل الى الرجل وابتسم وقال. ـ يبدو اني ازعجتك في وقت غير مناسب. فنظر اليه الرجل بنظرة لها معنى وقال. ـ دعك من المجاملات فالمهمات الحزبية فوق كل شئ. فاضل ـ بل قل لدي الوقت الكافي لاتمام الجولات الاخرى.. وضحك. ـ يا فاضل لا تشكك في ولائنا الحزبي. ـ لا اقصد ذلك ابدا يا سيدي. ـ دعك من كلمة سيدي ولا تحاول ان تكون خبيثا … تعال لدى حديث معك… تقدم الرجل الى الامام قاطعا باب تلك الصالة الكبيرة ا لخالية من الاثاث الا من كرسيين ومنضدة صغيرة وضعت في زاوية من الصالة ودخل في مرر صغير يطل عليه بابين وتقدم الرجل نحو الباب الثاني وكان الباب الاول مفتوحا قليلا مما اثار فضول فاضل فنظر عبر الشق المفتوح من الباب فراى على بعد وداخل الغرفة التي دلت على انها غرفة للنوم شابة سمراء مليحة الوجه نصف عارية وسرعان ما عرفها فاضل انها احدى الموظفات العاملات في مديرية امن البصرة والتي طالما مر من امامها عند مراجعته للمديرية. دخل الرجل الى الغرفة الثانية ودخل وراءه فاضل وقد اعتلت شفتيه ابتسامة فنظر اليه الرجل وقال. ـ ليس هذا وقت مناسب لتوزيع الابتسامات… اسمع يا فاضل. ـ نعم يا ابو رائد.. ـ انت تعرف جبار جيدا. ـ نعم اعرفه منذ زمن طويل ـ منذ ايام النضال السلبي… منذ ايام حكم عبد الكريم قاسم .. اليس كذلك؟ ـ نعم يا ابا رائد وكنت في ذلك الزمن صغيرا. ـ وانتم اصدقاء ورفاقه كل تلك السنين. ـ ولكن يا ابوا رائد كانت صداقتنا ظاهرية. ـ هل انت متاكد من ذلك؟ ـ طبعا متاكد… فهو لا يعجبي في الكثير من سلوكه واني اشك في ولائه الحزبي. ـ ولذلك ارسلت عليك لتنجز مهمة انت افضل من يقدر على اتمامها بدون ان تشار اي شبه او علامة استفهام حول الحزب وروابطه بالحزبيين القدماء.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#13 |
|
مقطع ثامن "1"
وقفت سيارة (فولكس فاجن) استيشن في الشارع وامام عمارة لاربعة طوابق وخرج منها رجل في الخامسة والاربعين من عمره ضخم الجثة عريض المنكبين ذو شارب مفتول لاحت وسطه شعيرات بيضاء كما لاح الشيب على الشعر المتواجد فوق اذنيه اسمر اللون حتّى اقترب سماره الى السواد ودون ان يغلق باب سيارته او حتّى يرفع عنها سويج السيارة اتجه مسرعا الى داخل العمارة ووقف امام باب المصعد وضغط على زره ونزل المصعد فدخله بسرعة وصعد الى الطابق الرابع واتجه مسرعا نحو باب الشقة في الجانب الايمن من الطابق وطرق الباب فتحت امراة له الباب ووقفت امامه.
وكانت امراة طويلة القامة سمراء (حنطاوية) مال شعرها الطويل على كتفيها وانسدل على صدرها المفتوح والواضح ملامحه من وراء الثوب الخفيف الذي تلبسه النساء عادة داخل البيوت. دخل الرجل مسرعا الى الداخل دون ان ينبس بكلمة فنظرت اليه المراة وقالت. سلامه ـ يا جبار ما بك؟ هذه الايام تدخل دون سلام؟ لكن جبار لم يهتم لقولها واجاب. جبار ـ هل تلفن لي احدٌ؟ سلامه ـ لا … لماذا تاخرت الليلة؟ جبار ـ دعك من هذه الاسئلة… هل مر احدٌ يسئل علي في البيت؟ سلامه لا .. لماذا؟ ماذا حدث؟ ـ لم يجب جبار وراح يجلس على اريكة وسط الغرفة كم اعياه تعب كبير وغرق في افكاره وسرح في عالم مجهول ونظر لزوجته التي ظلت متعجبة من سلوكه الليلة وارادت ان تقطع السكون والصمت الذي خيم عليها وقالت. سلامة ـ اذهب الى المطبخ لاعد طعام العشاء. التفت اليها جبار بعد ان صحى من شروده الذهني واجاب جبار ـ لا.. لا … دعك الان من طعام العشاء.. سلامه ـ لماذا؟ جبار ـ دعك من طعام العشاء… سلامه ـ لقد تلفنت لك ظهرا في محل عملك فلم تكن هناك!! جبار ـ سلامه ارجوك يا سلامه دعك من هذه الاسئلة الوضع اخطر من ان نخوص في مثل هذا الكلام. سلامه ـ ماذا هناك يا جبار؟ ماذا حدث؟ في تلك الاثناء ساد الصمت مرة اخرى ارجاء البيت وغرق في شروده وزاد التعجب عند سلامه وارادت ان تقطع الصمت مرة ارخى فمالت بيدها الى زر جهاز التلفزيون ورفعت صوته وكان صوت المذيع يتكلم بقوة وحماسة. المذيع ـ اليوم تقدمت قطعاتنا الباسلة المغوارة في الفيلق الثالث وحررت اراضي جديدة من لوث العدو الفارسي وكيدتهم خسائر جسيمة… نظر جبار الى سلامه واشار لها باغلاق جهاز التلفزيون فاغلقته مسرعة ونظر اليه فقال. جبار ـ سلامه عليك غدا صباحا ان تسافرين وباسرع وقت سلامه ـ اسافر؟ جبار ـ يجب ان تغادري العراق مسرعة الى الكويت سلامه ـ الكويت؟ جبار ـ عند وصولك الى الكويت سوف تلقين صديقا لنا هناك حينما تشاهدينه سوف تعرفيه.. ومن الكويت سوف يمهد لك الخروج الى السويد. سلامه ـ الى السويد؟ ظلت سلامه تسمع تلك الكلمات وهي لا تعرف ماذا تجيب ولكنها خرجت من دهشتها وقالت: ـ ماذا يجري؟ كيف اترك بيتي واطفالي بهذه السهولة. جبار ـ تسافرين مع الاطفال. سلامه ـ بهذه البساطة. جبار ـ لقد رتبت امور سفرك يا سلامه. يخرج من سترته جواز سفر وبطاقات سفر. جبار ـ انه جواز سفرك جاهزا للسفر وفيه فيزا للكويت. سلامه ـ متى اتممته؟ جبار ـ لقد اوصيت اصدقاء لي في مديرية الجوازات والسفر. سلامه ـ الا يحق لي ان اعرف ماذا يحدث؟ جبار ـ ليس هذا وقت الحديث انها مسالة حياة او موت يا عزيزتي ويجب ان لا تخبري اي انسان عن موضوع سفرك حتّى خروجك من ارض العراق. في الخارج كان ثلاثة رجال يدورون حول سيارة جبار ويفتشونها جيدا وبدقة واخذ احدهم سويج السيارة ووضعه في جيبه واشار الى الاخرين بالتوجه الى داخل العمارة بعد ان شاهد المفتاح الكهربائي مضاءا في الشقة. ووسط الحديث قطع جبار كلماته وصمت لحظة وكان تيارا كهربائيا قد صعقه حين تذكر شيئا وانتفظ من مكانه وركض باتجاه الشباك المطل على الشارع وفتح الشباك واطل براسه الى الخارج ونظر الى الاسفل فراى وسط الظلام رجلين يدوران حول سيارته وسرعان ما رفعوا برؤوسهم الى الاعلى لينظرواباتجاه جبار فادخل جبار براسه الى داخل الغرفة مسرعا باخفاء نفسه لئلا يراه من احس بانهم رجال استخبارات. احست زوجته سلامة بالخطر والخوف العميق والذي لم تحسه منذ سنين طويلة حيث كانت تعيش الامن والطمانينة في ظل زوجها المسؤول الحزبي والبعثي القديم. سنين والكثير من الناس والاقارب والجيران يقابلونهم باحترام فائق تملقا لقضاء جملة من حوائجهم الحياتية عن طريق مقام زوجها المسؤول من ذوي الكلام النافد في الكثير من دوائر الدولة وحتى المناوئين والاعداء من الناس كانوا يلتزمون الصمت التام امامها نتيجة الخوف والرعب من سوء العاقبة لمن يحاول ان يمس بسمعتهم او يتجرء باستفزازهم. سلامة في لحظة احست بانها خسرت كل شئ… وان بطلها ورجلها ذا الكلام النافذ تحول الى هاب وخائف لا يامن على حياته كجرذ يطارده قط كبير. سلامة في لحظة احسست وادركت مليا بان جبارا قد جارت عليه الدوائر وغدى كالاخرين من الحزبيين الذين طالما سمعت عن قصصهم حين قرر الحزب التخلص منهم وطالما سمعت تلك القصص من زوجها جبار. وقفت سلامة حائرة مندهشة لهول المفاجاة لا تقوى على الكلام. وتحولت الى تمثال لا يتحرك الا عيونها التي تراقب حركة زوجها الذي لم يعد يعرف كيف يهرب او يختبئ واين يختبئ؟.. ولم تعد ذلك حينما اغرورقت عيونها بالدموع التي انهمزت بغرارة ودون اراده وتوقف عقلها عن العمل وتحولت الدنيا في عينها الى صفحة سوداء والمستقبل الى ليل مظلم لا بصيص نور ياملها او يانسها. وادركت انها النهاية.. نهاية كل شئ بنته منذ سنين فهي تعرف جيدا ومن قبل ان الحزب لا يرحم والويل لمن يقلب الحزب عليه. نظر جبار الى وجه زوجته والى عيونها الغارقة بالدموع وادرك ان سلامه ادركت عمق الخطر واحست بالنهاية. اراد لحظة ان يهدئها او يخفف عنها الصدمة والالم ولكنه اسح بان الوقت اضيق بكثير من اني نبس بكلمة واحدة فان حياته وموته تتوقف على بقائه او هربه فاندفع مسرعا نحو الباب الخارجية واثناء هروبه لمحت عيناه من خلال الباب المفتوحة لغرفة نوم الاطفال، طفليه وهما نائمين ولم يسمح لنفسه حتّى بالقاء نظره وداع خاطفة لطفليه وسار في الممر مسرعا وزاد في سرعته حين راى المصعد الكهربائي يقترب من طابقه من خلال لوحة الارقام. ولم يجد منفذا سوى السلم الذي يذهب به الى سطح العمارة فصعده مسرعا. في الشارع كان المسؤول عن دورية الاستخبارات التي ذهبت تداهم بيت جبار رجل قصير القامة اكتنز جسمه باللحم الكثير وعلى بطنه كرش منع من شد حزامه فوقه فنزل الحزام الى تحت بطنه، وقف يراقب الشقة والسطح عن بُعد وتكلم في جهاز اللاسلكي الذي كان يحمله. ابو النصير ـ . الرفاق يصعدون اليه … اللاسلكي ـ تاكدوا بانه قد خرج من البيت.. ـ لقد اعطيناه وقت كافي للهرب من البيت. ـ حسنا فعلتم… راقبوا المنافذ الخارجية وسدوها عليه الا المنفذ المقرر. ـ حاضر سيدي. في تلك اللحظة لمح رجل الاستخبارات رجل في اعلى السطح يركض مسرعا ومن ثم ينزل بسرعة عن طريق السلم الاضطراري للعمارة فقال: ـ ابو نصير .. انه يهرب عن طريق السلالم الاضطرارية. ـ جيد اتركوه يهرب عبر المنفذ المقرر. ـ حاضر سيدي. وقف المصعد الكهربائي في الطابق الرابع وخرج منه ثلاث رجال ذو جثث تشبه جثث الدببه بوجوه غاضبة كانهم شياطين جهنم اتجهوا نحو باب بيت جبار ودقوا الباب.. فتحت الباب وكان وراءها سلامة التي استعدت لهذه اللحظة ويبدوا انها قد لبست الروب الليلي فوق ملابسها لتستر جسمها امام هجمة الاغراب، نظر اليها احد الرجال وقال: ـ اين جبار؟ قالتها وهي متلكئة والخوف قد اخذ منها ماخذا حول لون وجها الى صغره داكنه وكان الدم قد فارق بشرتها وغدت كبشرة ميتة… ـ لا اعرف … لم .. ياتي… الى البيت فبادرها الرجل بصفعة اسقطتها على الارض ليس لقوة الصفعة فقط بل لانها انهارت كليا وانتابها خوف سلبها كل قوتها ولم تقدر على الصبر فغرقت في البكاء وتقدم رجلان منهم ليفتشوا ارجاء الغرب بحثا عن جبار بشكل مسرحي وبقي الثالث واقفا ينظر الى احد السيقان المكشوفة لسلامة والتي سرعان ما احست بنظراته الخبيثة الشهوانية، فاسرعت بستر ساقها وتغطيته بروبها الليلي… والتفت الى الاخرين تقول: ـ ارجوكم لا تيقظوا الاطفال انهم نائمون. ورجعت الى بكائها وبصوت خافت وحين وقع نظرها على احد الرجال وهو يخرج جواز سفرها وبطاقات السفر من تحت احد الاغطية المرمية فوق احدى الارائك ادركت نهايتها هي ايضا وكمن استسلم لجلاده وقدره. قامت من فوق الارض واتجهت بصوب غرفة نوم الاطفال ولكن الرجل الواقف على راسها والذي لم تغرب عيناه المحمرتان عن النظر لمفاتنها، منعها من التحرك بصوب الغرفة. كان السلم الذي ينزل منه جبار في تلك الاثناء قد صنع من الحديد يفضح بصوته كل من ينزل عليه ولكن جبار حاول جاهدا ان يخفف من حدة الصوت واحس كانه يقطع مسافة طويلة وان دقائق الهرب تحولت الى ساعات وانتابه خوف ورعب ما احسه من قبل، اخذ من جوارحه ماخذا لم يسبق له مثيل وفي تلك اللحظات القليلة كانت ينتابه شعوران متناقضان الشعور الاول يدفعه للهرب والخلاص من بطش رجال الاستخبارات والشعور الثاني يدفعه للاستسلام والرضوخ للامر الواقع والتسليم لرفع الشر عن زوجته سلامه وطفليه ولك ن الشعور كان يغلبه وكان يحاول ان يقنع نفسه بتخليص زوجته بعد نجاة نفسه. وراى ارض الشارع قريبة من اخر درج للسلم فرمى نفسه وبقوة الى ارض شارع وراح ينظر الى الشارع من جانبه فلاحظ وجود سيارات وبعض رجال احس بانهم من الاستخبارات قد طوقوا الشارع من جانبيه ولم يعد له سوى شارع صغير جانبي. يصب في الشارع الكبير وبدون ان يسمح لنفسه بلحظة من التاخر اندفع صوب الشارع الفرعي ودخله وهو يهرول وعلى بعد لاح له شبح رجل يتقدم فخاف ان يكون رجلا من رجال الاستخبارات واختبئ خلف عمود لبناية في الشارع وراح يراقب اقتراب الرجل ليهرب منه ولكنه الشبح كلما اقترب منه بدا له بانه يعرفه وحين مر من امامه عرفه جيدا انه فاضل..فاضل صديقه ورفيقه الحميم حتّى كان ان لا يصدق ما راه واتجه اليه وهو يناديه: ـ فاضل… فاضل. التفت اليه فاضل والاستغراب والدهشة بادية على وجهه وقال: ـ جبار ماذا تفعل هنا؟ ماذا بك تبدو مضطربا.. ـ لقد جئت لي كملاك رحمة.. ارجوك ابعدني من هذا المكان ابعدني. ـ حاضر .. حاضر… سيارتي عند نهاية الشارع لنذهب اليها… واسرع فاضل باتجاه سيارته واسرع جبار يهرول وراءه وهو يلهث بانفاسه من فرط التعب. وصل فاضل وجبار الى السيارة التي وقفت في زاوية من نهاية الشارع الجانبي وفتح فاضل باب السيارة لجبار الذي اسرع بالقاء جسمه على المعقد من التعب وراح يتنفس بصعوبة ويزفر بصورة اصعب ووضع يده على فمه من الم حرقة حلقومه وفي تلك الثناء احس بضعف بدنه الذي كان يترنح به سابقا وسط الناس وبدا ذلك الصدر المكشوف ليل نهار والبارز المرتفع خرج بالسعال منه كطلقات رشاش يكاد يخنقه. حرك فاضل سيارته مسرعا متجها الى الامام وهو ينظر الى جبار الذي يعالج سعاله وضيق نفسه وابتعد عن المكان مسرعا وبعد دقائق وحين هدا حاله ورجع تنفسه الى وضعه الطبيعي ونظر الى فاضل بعينين تملؤها الدموع نم اثر الضغط الذي احدثته نوبة السعال وبادره فاضل بالقاء نظره ليسال جبار عما يحدث. ولكن عيون جبار ظلت تدمع هذه المرة بمرارة ما يجري عليه. فاضل ـ ماذا بك يا جبار اخبرني؟ ظل صامتا لا يعرف ماذا يجيب. ثم قطع صمته حيث وجد لا محالة من الجواب وقال.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#14 |
|
مقطع ثامن "2"
ـ لقد هربت من رجال الاستخبارات.
عند سماع فاضل تلك الجملة انتابته دهشة كبيرة وعلى اثرها ضغط على بريك السيارة واوقف السيارة على جانب من الطريق وقال: فاضل ـ ماذا؟! انت هارب من رجال الاستخبارات؟ جبار ـ نعم. فاضل ـ ماذا فعلت؟ جبار ـ لا اعلم. فاضل ـ كيف لا تعلم؟ اذن لماذا جاؤا وراءك؟ جبار ـ انها صراعات الحزب الداخلية. فاضل ـ وعلى اي جهة حسبوك؟ جبار ـ اعتقد انهم حسبوني على ماجد عبد الكريم. فاضل ـ ولكن ماجد قد هرب منذ امد من العراق. جبار ـ كان صديقا لي ومسؤولا عني. فاضل ـ وهل كنت واحد من اعوانه. جبار ـ حسب اوامر الحزب. فاضل ـ لماذا لا تذهب وتبرئ ساحتك امام المسؤولين وتعلن عن استنكارك لمواقفه المشينة ضد الحزب.؟ جبار ـ احتاج الى وقت لم يمهلوني به. فاضل ـ ولكني استطيع ان اساعدك في ذلك. جبار ـ سوف اكون لك ممنونا لو فعلت ذلك. ونظر فاضل الى جبار نظرة طويلة ثم حرك سيارته الى الامام. فاضل ـ ماذا تفعل الان؟ جبار ـ اذهب بي الى مكان اختبئ به. فاضل ـ دعني افكر لاجد مكانا لا يعرفه احد. تحركت السيارة باتجاه الشارع العريض الذي يمر خلف المنار ومن ثم محطة القطار والى خارج المدينة واقتربت السيارة من نقطة تفتيش احس جبار بالخوف والرعب يشتد لديه كلما قربت المسافة من دوريات التفتيش ولكن فاضل نظر الى جبال وقال: ـ لا تخف ولا تبدي على وجهك علائم الخوف انا سوف اتولى مرورك. ـ لا اعرف كيف اشكرك. يا فاضل فانت لي صديق ورفيق قديم. ـ لا باس يا جبار.. السيارة وصلت الدوريات المسلحة من رجال شرطة وانضباط عسكري والامن ووقف فاضل وسطهم بسيارته وقبل ان يدلي الرجال برؤوسهم لينظروا من في الداخل اخرج فاضل بطاقته الخاصة (هوية استخبارات) وبمجرد ان القى رجال الدوريات النظر اليها ارتفعت الايادي باخذ التحيات ولم يتجرئ احدا بتاخير السارة ومرت السيارة من امام الدوريات بسلامة متجهة نحو صوب لا يعرفه جبار وظل فاضل يسير على رؤيه من امره ويدركها هو فسرعان ما كانت السيارة تسير في طريق وسط الصحراء ولاحت على بعد منها يتراى ابار نفط الرميله التي انارت الصحراء بضوئها الاحمر والاصفر متراقصة في السماء كانها تلعب مع الرياح وترقص للنسيم وزاد المنظر جمالا لتلك الاضواء البيضاء المنبعثة من البروجكترات التي ملئت ابراج واقسام شركة النفط ومرافق مصافيها فلا يسع المرء الى ان يظل ناظرا بجمال تلك الاضواء حتىاخر لحظة تودعها عيونه… ولكن جبار كان في تلك اللحظات غير قادر على النظر او التمتع بتلك المناظر الخلابة وسارحا في فكره بعيدا عن المكان ولا هم له سوى اني صل به فاضل الى مكان يامن به ويطمئن له حتّى تهدا الاوضاع وتمرك تلك العاصفة القوية في حياته ويرجع من حيث هرب. وصلت سيارة فاضل الى مكان مجهول بالنسبة لجبار ويبدو انّه غير ماهول وزاد ظلام الليل من وحشته، المكان كان يبدو انّه مخيم لشركة غادرت المكان وخلفت وراءها بيوت خشبية مؤقتة جاهزة الصنع ومقدارا من الانابيب والبراميل المتناثرة هنا وهناك واكواما من قطع الحديد على اختلاف اشكالها تبعثرات على جانبي المخيم واحاطت بجوانب المخيم اعمدة حديدية ربطة بينها باسلاك شائكة… الريح كانت تبعث بالمكان والهواء صحراوي بارد ليلا والاشواك تزحف وتدور كالكرة في ساحة المخيم من اثر الرياح. وقف فاضل بسيارته قرب احد البيوت الخشبية ونزل من السيارة ونزل على اثره جبار واتجه فاضل الى باب البيت وتبعه جبار ووقف فاضل لحظة وقال لجبار: فاضل ـ انه مكان امن ولا يصل احد اليه ولا يعرف عنه احد ابقي فيه وانت مطمئنة البال. فالتفت اليه جبار وقد علته علامة استفهام وقال: ـ من اين لك هذا المكان؟ ـ سوف ندخل وتعرف من اين لي. زادته تلك الجملة حيرة وتعجبا وفتح فاضل الباب بمفتاحه ودخلا الى داخل باحة البيت الصغير وكان المصباح الكهربائي مضاءا وكان البيت مرتبا يحوي من الاثاث ما يحتاجه المرء لمعيشته ورائحة العطر تحف بالمكان ورائحة الطعام تخرج من الباب الاخر وسرعان ما سمعت اصوات لاطباق وصحون من وراء الباب فنظر جبار الى فاضل وقال: ـ من هناك؟ تقول انه لا احد في هذا المكان! ـ نعم… لا احد سوى صديقتي ناهده. في تلك اللحظة خرجت شابة تقترب من العشرين من العمر سواء ذات ملامح جنوبية وليست ملابس هي اقرب للباس القروي وقد خطت شفاهها بالقلم الاحمر الداكن وجمعت شعرها على شكل قصيبه. نظرت الفتاة الى فاضل وجبار وقالت بلهجة جنوبية قروية. الشابة ـ يا اهلا بحبيبنا فاضل واصدقائه الاعزاء. لم يجب جبار بشئ وظل ساكتا… الشابه ـ يبدو ان صديقك خجولٌ لا يقدر على الكلام قالت ذلك وضحكت. ونظر فاضل الى جبار وقال: ـ حسنا اني اودعك الان وسوف ارجع غدا احمل لك ما تحتاجه من الطعام والملابس حتّى نرى ماذا نفعل بامرك. ونظر الى الفتاة وقال… ـ اهتمي بضيفنا العزيز فهو رجل جيد. قالها ضاحكا وخرج من المكان تاركا جبارا في حيرة من امره. بقي جبار داخل البيت الصغير يودع فاضل بنظراته من خلف شباك صغير اطل على الباحة الخارجية ونظر الى فاضل وهو يريد دخول السيارة وعلى غفلة تذكر شيئا فاسرع باتجاه الباب وفتح الباب ولحقه، وكانت السيارة قد تحركت بضع امتار فوقف فاضل على الفور ونزل فاقترب من جبار. فاضل ـ ماذا تريد يا جبار. اقترب جبار من فاضل وقد اعتراه شئ من الخجل يخالطه شعور بالذلة وقال. جبار ـ ارجوك ان تفعل شيئا لزوجتي امام صابر ان قبض عليها رجال الاستخبارات. فاضل ـ ولماذا يقبضون عليها؟ انها لا تملك اي ذنب ابعد عن ذهنك هذه الافكار الخيالية وتاكد باني سوف اتتدخل بقوة ان حاولوا القاء القبض عليها. جبار ـ ارجوك اخبرها بان تذهب عند بيت اخيها عدنان انه رجل طيب وسوف يعتني بها. فاضل ـ حسنا سوف اقول لها ذلك… هل لديك شئ اخر؟ جبار ـ لا … لا مع السلامة. ابتعد فاضل بسيارته عن المكان وغاب في الظلام الدامس المحيط بالمنطقة ورجع جبار الى البيت الخشبي وقد اعتراه شعور بالذلة والضياع من بعد عز ورفاه. دخل البيت فوقعت عيناه على الفتاة التي ابتسمت ابتسامة خفيفة وحار جبار في الرد عليها فبادرها ببسمة تكاد لا تظهر وتوجه الى الكرسي الموضوع الى جانب فتحة في اسفل الجدار خصصت لجهاز مكيف الهواء وغط في بحر هواجسه ومن حيث لا يشعر كان يلوح بيديه يمينا وشمالا بجنه وتارة اخرى يمسح شعر راسه او يدلك ذقنه. الشابة جلست على الارض على بعد امتار تنظر اليه وقد انتابتها التعجب والحيرة فيما تراه فلم يكن جليسها على وضعه الطبيعي وادركت انه في مشكلة كبيرة. حاولت قطع الصمت الذي احاط بالغرفة وقالت. الشابة ـ هل احضر لك طعام العشاء؟ انه جاهز؟ نظر اليها جبار وقال. جبار ـ لا… لا… اني لست جائعا تعشي انت… ان كنت جائعة… ارادت الشابة ان تخفف نم حدة التوتر الذي يعانيه جبار فقالت. الشابة ـ دعك من مشاكل الدنيا يا ابا الشباب… وتعالى نانس بشئ من الطعام. جبار ـ اعتذر فانا قد اكلت الطعام من قبل. الشابة ـ وهل تشر شيئا من الشراب.. ان فاضل قد حمل الى هنا شيئا منه وهو يخفيه في المطبخ. احس جبار برغبة في الشرب الذي قد ينقله الى عالم النسيان والراحة ولكنه تراجع عن رغبته في مثل
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#15 |