|
||||||||
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
|
#17 |
|
مقطع تاسع "1"
سلامة ـ الذين كانوا يحضرون عنده هم ستار محمد ـ كاظم شعلان ـ ابو انتصار ـ ابو محمد .. هؤلاء
فاضل ـ هؤلاء فقط؟ سلامة ـ نعم هؤلاء الذين كنت اراهم يحضرون لديه ولم اكن ادور معه في الشوارع لكي اعرف بمن يتصل. فاضل ـ عال .. جيد… تاكدي باني سوف افعل شيئا لاطلق سراحك.. قالها فاضل وقام من مكانه فنظرت اليه سلامة بعينين قد احمرتا من اثر النعاس والتعب والضرب وكادت ان تقوم من مكانها لكن قوتها خانتها من اثر الضعف فرفعت راسها الى فاضل وقالت بصوت حزين وكئيب. سلامة ـ بالله عليك يا فاضل افعل شيئا لاطلاق سراحي. فاضل ـ حسنا يا سلامة… اطمئني سوف اعمل ما بوسعي لاطلاق سراحك وعليك ان تتعاونين مع الرفاق اكثر. فسكتت سلامة وغطت في سكون عميقة ولفتها الحيرة في دوامة مخيفة… خرج فاضل من الباب وترك سلامة وحيدة في الغرفة واخترق الممر الى غرفة فتحها فكان في داخلها ضابط الاستخبارات ابو رائد، وقد جلس خلف منضدته ووضع على الحائط صورة كبيرة لصدام حسين.. فاضل ـ ماذا تفعل بسلامه؟ ابو رائد ـ ماذا تفعل؟ لا شئ؟ اننا نحاول ان نكشف منها شيئا جديدا عن جبار؟ فاضل ـ ويبدو ان ليس لديها من جديد ابو رائد ـ لا.. كل ما ذكرته معروف لدينا والاسماء التي ذكرتها هم من الرفاق العادين والاصدقاء المعروفين. فاضل ـ هل ستبقى كثيرا؟ ابو رائد ـ وهل علينا ان نطلق سراحها؟ فاضل ـ لا اقصد الاساءه او التطفل سيدي ابا رائد ولكنها لا تملك ما تنفعنا به ثم ان اخوتها وبعض اقاربها بداوا يسالون ويبحثون عنها والكثير منهم رفاق حزبيون وليس من المستحسن ان تثير ضغائنهم واحقادهم والنتيجة لا شئ. ابو رائد ـ ما تقوله صحيح يا رفيق فاضل ليست من الحكمة ان تثير مشاعر الرفاق الاخرين. وبعد برهة من الصمت نظر الى فاضل وقال: هل اعطاك جبار معلومات اضافة.. .. وهل ترى ضرورة لاعتقاله؟ فاضل ـ لا اعتقد لاننا لا نملك دليل ضده. ابو رائد ـ لكن التعذيب سيجعله يعترف بالف دليل. فاضل ـ لا ننسى يا سيادة الرائد باننا لسنا رجال شرطة اجرام انها قضية حزبية داخلية قد تكشف خططنا المستقبلية. ابو رائد ـ سوف نسلمه الى انظف ضباطنا في الاستخبارات والاكثر سرية وثقة وسوف لا نسمح بان تتسرب اعترافاته الى خارج نطاق مؤسسة الاستخبارات. فاضل ـ يبدو انك نسيت يا ابا رائد ان مامورية حلب قد تسلمها ضباط استخبارات كما ذكرت ولكن الرفاق ما ان عبرو الحدود السورية حتّى القي القبض عليهم. ابو رائد ـ الكلب حافظ الاسد زرع عيونه وعملاءه في عمق مؤسساتنا… الكلب.. الكلب. اذن ماذا نفعل يا فاضل؟ فاضل ـ سوف اخرج منه كل ما يعرفه بدون الحاجة الى اعتقال او تعذيب. ابو رائد ـ ثم؟! فاضل ـ ثم نرسله الى الدرك الاسفل. ابو رائد ـ لم تقل لي ما هي المعلومات الجديدة.. فاضل ـ ماذا اقول … انها بالنسبة لي ماساة. ابو رائد ـ يبدو انها معلومات خاصة… فاضل ـ كشفت الرابط والرمز ما بين رفاقنا الذين غرر بهم وبين خلايا المنشقين الاوغاد في الكويت.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#18 |
|
مقطع عاشر
خرجت تسواهن من باب المطبخ الصغير وهي تحمل صينية وضع فوقها طبق من البيض المقلي وخبز وصحن من السلطة وتقدمت ووضعت الصينية امام جبار الذي ينفث دخان سيكارته بدون وعي ونظرت اليه برهة من الوقت وقالت:
تسواهن ـ دعك من الافكار يا جبار وكلُ شيئا من الطعام. جبار انتبه الى نفسه ونظر اليها برهة والى الطعام برهة اخرى وقال: جبار ـ لا .. لا .. كلي انتِ وانا لا اشتهي شيئا. تسواهن ـ عجبا للقدر كيف جمعنا… يبدو ان كلينا هارب من قدر واحد. قال جبار وهو يبتسم: جبار ـ كيف..! انت هاربه خوفا من اخوتك وعشيرتك… تسواهن ـ انا هاربة من قدر الموت وخائفة منه.. ويبدو انك هاربٌ من نفس القدر… دخلت تلك الجملة التي قالتها تسواهن كرصاصة في روحه وتجمدت اعضاء وجه وبرزت عيناه وبحلقت كمن يشهق شهقة الموت برهة ثم نكس براسه الى الاسفل وقال: جبار ـ نعم يا تسواهن قلت حقا فانا هارب من الموت ايضا واخاف هذا القدر. تسواهن ـ اذن مد يدك وكل يا جبار فاكثر ما يحصل ان نموت. شعر جبار بخجل كثير حين سمع تلك الكلمات واثرت فيه كثيرا وبدون شعور مد يده الى الطعام وتناول لقمة ووضعها بتاني في فمه ومضغها ونظر الى تسواهن واشار اليها ان تشاركه الطعام فمدت يدها واكلت شيئا منه ونظرت الى جبار فرات عيونه قد اغرورقت بالدموع فقالت: تسواهن ـ لقد بكيت قبلك كثيرا يا جبار حتّى انتهى الدمع من عيوني واستسلمت للواقع وقبلت بالعن نتيجة… سلم امرك الى الله. جبار ـ لقد نسيت الله منذ امد بعيد.. تسواهن ـ لقد تعلمت من امي كلمة طالما رددتها كانت تقول ان الله لا ينسى عباده حتّى اذا نسوه. قالتها ونزلت الدموع من عيونها بغزاة ولكنها كانت رغم ذلك تمضغ الطعام مضغا فتجلت روحها القروية بشكل واضح وراح جبار ينظر الى عفويتها وسذاجتها وهي تتجرع الالم والطعام معا… تسواهن ـ هل قتلت احدا؟ جبار ـ لا. تسواهن ـ اذن لماذا انت هارب وتخاف القتل؟ لم يجبها جبار بشئ.. تسواهن ـ هل سرقت وتخاف السجن؟ جبار ـ لا. تسواهن ـ الست بعثيا؟ جبار ـ نعم وعضو شعبه. قالها وضحك تسواهن ـ انا لا افهم في هذه الاشياء.. عضو او غير عضو.. ولكني اعرف جيدا ان الناس يخافون البعثيين يخافونهم كثيرا وانت بعثي ممن خائف؟! جبار نظر الى وجه تسواهن وقد ادرك كم هم بسيطة وبريئة. جبار ـ البعثيين يخافون ممن هو اعلى منهم. تسواهن ـ لقد قالها ابي مرارا وفهمتها الان. جبار ـ ماذا قال ابوك؟ تسواهن ـ قال ان الله قد سلط الناس بعضهم على بعض. فلم اصدق ان البعثيين يخافون من الناس كما يخاف الناس منهم.. ايه على اي حال.. قالتها وذهبت الى الراديو وادارت مؤشره وراحت تستمع الى الاغاني الخليجية بعد ان بسطت ساقيها ومدت يدها لتظفر قصيبتها. جبار هذه المرة راح سارحا في النظر الى وجه تسواهن ومد نظره الى شعرها الطويل الاسود وراح ينظر الى كل اجزاء جسمها ولكنه لاول مرة في حياته يمعن النظر الى جمال امراة دون ان تدغدغه مشاعره الشيطانية ودون ان يحس بحاجة الى التهام جسدها المسموح له بالتهامه كيف يشاء بادرته تسواهن بنظرة وقالت: تسواهن ـ هل تذكرت الان بانك تجالس امراة. ضحك جبار وقال: جبار ـ اذا خرجت من هذه الورطة سالما يا تسواهن فسوف افعل كل ما استطيع لنجاتك. تسواهن ـ يا ليت .. يا ليت… لا افضل لدى المراة من ان يقف الى جانبها رجل عند الشدائد… نظر جبار الى تسواهن لحظة ثم سرح مرة اخرى في افكاره وراحت تسواهن تتابع سماع الاغاني الخليجية.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#19 |
|
مقطع حادي عشر
كان ابو رائد وفاضل يقفان عند شباك الغرفة وهم ينظرون الى الاسفل وقد امسك احد رجال الاستخبارات بيد سلامة وهو يحاول ان يساعدها على الخروج الى الباب الخارجي للحديقة وهي تتقدم بصعوبة الى الامام.
ابو رائد ـ سوف يوصلونها الى باب بيتها. فاضل ـ ماذا نفعل بجبار؟ ابو رائد ـ انت تعرف يا فاضل ان جبار بعثي قديم منذ الايام الاولى لقيام الجمهورية في العراق يعرف كل البعثيين في البصرة والمسؤولين الكبار القبض عليه وتصفيته يحتاج الى دليل دامغ لان الجميع يعرف نزاهته فهو ليس مثل اكثر البعثيين يسرقون الدولة بالف شكل وطريقة والرجل عاش على راتبه الشهري والامتيازات المسموحة من قبل الدولة والحزب… والعيب الذي فيه انّه لا يملك ذلك الاخلاص والولاء لقيادة الحزب والثورة ويعرف اشياء عن مهمة برتقال يافا. فاضل ـ وهو عيب خطير. ابو رائد ـ البعثيين من امثال جبار هم كقنبلة موقوتة قد تتفجر في اي لحظة فتفجر الحزب من الداخل وعلى ذلك يجب التخلص منهم قبل ان يتخلصوا منا. فاضل ـ اترك الامر لي. وسوف انهيه لك دون ان تثار اي علامة استفهام باتجاه الحزب او مؤسساته ابو رائد ـ وهل تقدر؟! فاضل ـ بل انا قادر… ابو رائد ـ حسنا ارينا اخلاصك للحزب. فاضل ـ وهل تشك في ذلك يابا رائد؟ ابو رائد ـ عفوا… عفوا… لا تسئ الفهم يا فاضل… الحزب دائما يطلب المزيد والمزيد من التضحيات والاخلاص.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#20 |
|
مقطع ثاني عشر
الليل كان يسدل استاره على مخيم الشركة المتروك ولا صوت الا صوت الريح الباردة العابثة بالمكان ولا ضوء سوى ضوء القمر الفضي الذي فرش به رمال الصحراء وكون ظلال للاشواك وقطع الحديد المنشورة هنا وهناك قعدت كالاشباح المنتشرة في ارجاء المكان وضوء اخر خرج من شباك البيت الصغير وعيون جبار تنظر الى الخارج من خلال زجاج الشباك.
لمح جبار ظلا يتحرك هناك فانتابه شئ من الرعب والخوف فاخذ يحدق النظر الى الامام جيدا ليكتشف الامر ولكنه لم ير الظل المتحرك مرة اخرى فاقنع نفسه بفكرة تقول لعله كان وهما او حيوانا مر على المكان او اشواكا تطير عابثة في الهواء ولكنه ظل يراقب المكان عن كثب ولم يرتح باله فاتجه الى باب الغرفة وكاتن تسواهن ترتب ملابسها الجديدة وتنظر اليها وهي تضعن في داخل الحقيبة وانتبهت اليه وهو خارج تسواهن ـ ماذا هناك؟ هل جاء فاضل؟ جبار ـ لا .. لا شئ اريد ان اراقب المكان. تسواهن ـ هل رايت شيئا؟ جبار ـ لا … لا شئ. خرج جبار الى وسط الظلمة ليتاكد من حقيقة الظل الذي راه يتحرك في ضوء القمر… سار عدة خطوات الى الامام وهو ينظر يمينا ويسارا وفجاة ومن وراء البراميل خرج ظل اسود سرعان ما اندفع اليه مسرعا وفي لحظات كان الظل قريبا منه فراى وجه رجلا في ضوء القمر قروي الملامح اسمر اللون كث الشعر بان الغضب على وجهه فتحول الى كتلة من الحقد فصرخ جبار: جبار ـ من انت؟ ودون ان يجيبه الرجل بكلمة انطلقت شرارات نار من مسدس يمسكه في يده سرعان ما اخترقت جسد جبار واردته قتيلا في المكان جثة بلا حراك. سمعت تسواهن صوت الرصاص فتجمد الدم في وجهها وبدون وعي وضعت اصابعها في فمها وعضتها دون ان تحس بالالم وزاغت عيونها من مكانها ووقفت بلا حراك تنظر الى شق الباب كمتهم ينتظر جلاده ودون ان تنبس بكلمة راح كل اعضاء جسمها يرتجف من شدة الخوف والرعب واخذت اسنانها تصطك وشفاهها ترتجف وما هي الا لحظات حتّى اطل الرجل الذي قتل جبارا بجسمه من الباب ووقف امام تسواهن وجها الى وجه وقد احمرت عيناه من شدة الغضب وما ان راته تسواهن حتّى صرخت. تسواهن ـ اخي راهي… راهي ـ ظننت انك سوف تقدرين على الفرار من يدي ايتها الزانية.. لقد لطخت شرفنا بالوحل امام رجال العشيرة يا بنت الكلب. قالها وراح يفرغ كل الرصاصات الباقية في مسدسه بجسد تسواهن فخرت صريعة تنزف الدم بغزارة من جسدها الممدد على ارض الغرفة… ورجع الرجل من حيث اتى تاركا اخته تتخبط بالدم وغاب في الظلام.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#21 |
|
مقطع ثالث عشر
كان سائقو سيارات حمولة برتقال يافا جالسين الواحد الى جنب الاخر في غرفة من غرف مديرية النقل لمحافظة البصرة، بعضهم ممسك بحقيبة صغيرة خاصة لحفظ الاوراق والنقد ويتحدثون فيما بينهم ويجلس عبد العظيم وسطهم.
لحظات ويدخل السائق الاشقر وبمجرد ان يراه الاخرون يقومون من مكانهم ويتجهون صوبه فيقول احدهم: ـ ـ ماذا حل بالحمولة؟ ما هي النتيجة؟ الاشقر ـ لا شئ… لقد تحدثت مع احد المسؤولين في مديرية النقل وقال ان المشكلة سوف تحل خلال يوم او يومين لا اكثر. عبد العظيم ـ ايّة مشكلة؟ نحن نعبر هذا الطرق والى الكويت منذ سنين ولم تحدث لنا مشكلة من قبل. الاشقر ـ القوانين هنا تتغير والمسؤولون يقولون بان القانون الجديد يحتم تسليم الحمولة الى شركتهم وهم ينقلونها بدورهم الى الكويت. عبد العظيم ـ لماذا لم يخبرونا ذلك عند دخولنا الحدود العراقية الاردنية. الاشقر ـ لم تكن هناك مشكلة… المشكلة الان عند الحدود العراقية الكويتية. رجل اخر ـ والان ماذا نفعل؟ نترك الحمولة هنا؟ اسالهم ماذا نفعل؟ الاشقر ـ لا تستعجلوا سوف اجد لها حّلا بالتشاور مع المسؤولين واعتقد في الاخر باننا سوف ننقل الحمولة الى الكويت... والبرتقال الان مخزون في الثلاجات ولا خوف عليه. قالها واشار للجميع بالخروج من الغرفة فتقدم عبد العظيم وقال: ـ يا ابا مروان هذه السفرة تختلف تماما عن السفرات الاخرى؟ نظر الاشقر الى عبد العظيم بتعجب وبشئ من الحذر وقال: ـ كيف؟!. عبد العظيم ـ في السفرات الماضية كانت المشاكل عند الحدود العراقية الاردنية واثناء الطريق وكنا نمر بسرعة ودون اي تاخير من البصرة حتّى الحدود الكويتية العراقية ولكن هذه المرة كان العكس تماما! ضحك الاشقر ضحكةً مصنوعة وقال: ـ لا تهتم يا اخي عبد العظيم سوف نتابع السير عن قريب.. ثم نظر الى الاخرين وقال: الاشقر ـ لا تنسوا .. يجب ان لا تبتعدوا عن الفندق كثيرا حتّى اذا حُلّت المشكلةُ استطيع ان اخبركم ونتحرك بسرعة باتجاه الكويت. وما ان اكمل الرجل كلماته حتّى ضحك الاخرون وقال احدهم: ـ ومن يجرئ على الابتعاد عن الفندق في هذا الحر القاتل.. ؟ وضحك اكثرهم…
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#22 |
|
مقطع رابع عشر
وسط ذلك الحر الشديد الذي كان يحرق الرمال بحرارته كانت جثة جبار مرمية الى جانب كومة براميل متناثرة في وسط باحة مخيم الشركة والدماء قد لطخت قميصه الابيض وسال شئ منها على الارض والذباب يحف ويطير فوق بقعة الدم ورنين صوته يُسمع من امتار وعدد من الذباب يتطاير على وجه جبار المفتوح العيون.
ضابط الشرطة وبعض المحققين من رجال شرطة الاجرام كانوا منشغلين بتفتيش ارجاء المكان وجمع الادلة والمصور يلتقط صورا هنا وهناك. انتقل احد المحققين من الخارج الى داخل الغرفة وظل ينظر الى جثة تسواهن الممددة وسط الغرفة الغارقة بالدم ثم اخذ ينظر الى الملابس المتناثرة في المكان والى الراديو الذي كان لا يزال يذيع الاغاني الخليجية… دخل محقق اخر من رجال الاجرام واخذ يتفحص الملابس الملقاة هنا وهناك، اعقاب السكائر، اواني الطعام وكل شئ… لحظات ودخل ضابط الشرطة الذي يرتدي الملابس العسكرية وبرتبة رائد وقال: الضابط ـ الجريمة حدثت البارحة ليلا اذن؟ المحقق ـ على ما يبدو فالاجساد لا زالت طرية. الضابط ـ الم تعرفوا من اتصل بنا صباحا؟ المحقق ـ لم يذكر اسمه والاتصال كان من تلفون الشارع. الضابط ـ اذن الجريمة كانت مُتعمدة وبسبق اصرار. المحقق يبدو ذلك. المحقق الاول ـ كان رفيقا حزبيا معروفا في البصرة. الضابط ـ كان.. في تلك اللحظات كان احد رجال الشرطة يسرع راكضا نحو الضابط فالتفت اليه الضابط وقال: ـ ماذا لديك؟ الشرطي ـ سيدي لقد ابلغَ المركز برسالة. الضابط ـ ما هي؟ الشرطي ـ لقد القي القبض على القاتل. الضابط ـ ماذا؟ بهذه السرعة؟ الشرطي ـ نعم سيدي السيد الملازم على الخط. عند سماع ذلك توجه الضابط المحقق بسرعة صوب سيارة الشرطة حيث كان يقف الشرطي وهو ممسكٌ بسماعة اللاسلكي…
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#23 |
|
مقطع خامس عشر
كان فاضل ورجلٌ اخر يخترقان الممر الذي يقسم مركز الشرطة الى قسمين حتّى وصلا الى اخر الممر وانحرفا يمينا لينزلا الى سرداب تحت الارض وكان عند باب السرداب شرطي ما ان راهما حتّى وقف ماديا التحية فاشارا له بالابتعاد عن المكان فذهب مبتعدا وبقى الرجل الاخر مكان الشرطي وفتح فاضل باب غرفة السرداب ودخلها فوجد اخا تسواهن جالسا على الارض وقد سرح في افكاره وما ان راه حتّى قال له: ـ
فاضل ـ كيف القى القبض عليك بهذه السرعة يا راهي؟ نظر راهي الى فاضل وقال: راهي ـ انه المسدس كنت احمل مسدسا عند نقطة التفتيش فالقي القبض عليّ. ظل فاضل لحظات ينظر الى راهي ثم قال: ـ فاضل ـ وكيف عرفوا بانك القاتل؟ راهي ـ انا الذي اعترفت. فاضل ـ لماذا؟ راهي ـ لكي يسمع الناس وابناء الشعيرة بذلك فاغسل العار الذي لحق بنا. فاضل ـ حسنا، ذلك شانك ولكن اياك ان تذكر اسمي واياك ان تخبرهم باني الذي دللتك على مكان اختك وعشيقها لانك لو ذكرت ذلك فلا استطيع مساعدتك في التخفيف عن حكمك. راهي ـ وهي تساعدني في التخفيف عن حكمي؟ فاضل ـ بل انا قادر على اطلاق سراحك بعد عدة شهور لا اكثر. راهي ـ واذا سالوني عن المسدس؟ فاضل ـ لا تقل باني اعرتك المسدس بل قل ان المسدس لي. راهي ـ واذا سالوني من اين حصلت عليه. فاضل ـ قل اي شئ… مهرب.. املكه منذ القدم… او اشتريتهُ من جندي استشهد في الجبهة اية حجة ممكنة… ولا تخف يا راهي فانا عندك وسوف اقف الى جانبك… مد فاضل يده الى داخل جيبه واخرج قدرا من الدنانير وقدمها الى راهي ولكن راهي نكس براسه الى الارض ولم ياخذها. فاضل ـ خذها ارجوك فانا صديقك… خذها فانت بحاجة اليها الان… لكن راهي ظل صامتا… مد فاضل يده الى جيب راهي ووضع الدنانير فيه وقام من مكانه وترك المكان مودعا راهي بنظراته… قفل الباب وراءه وخرج هو والرجل الاخر من السرداب.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |
|
|
|
|
|
|
#24 |
|
مقطع سادس عشر
في داخل غرفة الاستقبال كانت سلامة جالسة والضمادات التي ضمدت بها اثار الضرب على وجهها بادية ولكنها تبدو احسن حالا واثار التعب من عيونها قد زالت ليدل على انها قضت ليلة هادئة وبنوم عميق قد ازال عنها اثر ما لقيته من ساعات الاعتقال في مركز الاستخبارات.
كان يجلس الى جانبها احد اخوتها شاب ضخم الجثة اسمر اللون ذو شارب عريض وقد غط في بحر هواجسه وافكاره ولكنه بين الحين والحين يرمق اخته بنظرات يراقب منها انفعالاتها عن كثب ولم يكن داخل البيت صوت يدل على وجود الاطفال، نظرت سلامة الى اخيها وقالت: ـ لماذا ذهبت بالاطفال الى بيت امي. اخوها ـ بقاؤهم هناك اسلم وافضل بل بصراحة اني ذهبت بهم الى مكان غير بيت امي. سلامة ـ اين؟ اخوها ـ يا سلامة انا لا اطمئن لوضعك ووضع جبار في الوقت الحاضر واخاف ان تحدث كارثة يجب ان لا يكون الاطفال ايضا ضحية لها. سلامة ـ هل هناك خطر على جبار؟ اخوها ـ لا اعرف يا سلامة… لا اعرف. نظر الى اخته برهة وقال: ـ اسمعي يا سلامة تعالي نخرجُ من البيت واذهب بك الى مكان امن حتّى نعرف ماذا يحدث؟ وما هو مصير جبار؟ فالحزب لا يرحم. سلامه ـ ولكنك بعثي وتستطيع ان تفعل شيئا يا حسين. اخوها ـ سلطة الحزب لا تعير للافراد اية اهمية اذا كان هناك خطر يهددها. سلامه ـ وهل تحول جبار الى خطر على الحزب اخوها ـ لا اعرف يا سلامة ولا استطيع ان افهم شيئا مما يحدث وحتى لماذا حدث كل ذلك.؟! انها امور يخاف المرء ان يتدخل بها.. سلامه ـ لكني باقية حتّى رجوع جبار او معرفة مصيره.. حسين ـ لا تكوني عنيدة يا سلامة فانت لست صغيرة وانظري الى نفسك وما عانيت. سلامه ـ سوف انتظره…. في تلك اللحظة طُرِقَ الباب فقامت سلامة من مكانها بسرعة وبدون وعي ارادت ان تتجه الى الباب لكن اخاها اوقفها واشار لها بعينيه ان تستمهل قليلا وتقدم هو صوب الباب وصاح بصوت مرتفع: حسين ـ من بالباب. فجاء الجواب من ورائه فاضل ـ افتح.. انا فاضل. اسرع حسين بفتح الباب فدخل فاضل الى الداخل ونظر الى وجه حسين ووجه سلامه الحزين… وتقدمت منه سلامه خطوات وقالت: ـ اهلا فاضل اهلا وسهلا … انا لا اعرف كيف اشكرك على مساعدتي حقا لا اعرف كيف اشكرك. فاضل ـ لا داعي الى الشكر فانا لم افعل شيئا. حسين ـ بل انت فعلت الكثير يا فاضل ولا نعرف كيف نشكرك. واتجه حسين الى فاضل وقبل خده احتراما وتقديرا واشار اليه بالجلوس. حسين ـ تفضل يا فاضل ارجوك تفضل. لكن فاضل سكت برهة وقال: ـ لا… لا وقت للجلوس… فهناك امر هام! نظرت سلامة الى فاضل وقد احسست بان هناك خبرا او حدثا مشؤوما قد حلّ بهم فزدادت دقات قلبها واعتلت الصفرة محياها وانقبضت روحها وساد الصمتُ ارجاء الغرفة وقد تسمرت عيون حسين وسلامة باتجاه فاضل. فاضل ـ لا اعرف ماذا اقول لكم… لانني لا اريد ان اكون رسول شؤوم… سلامه ـ هل الامر يتعلق بجبار؟ فاضل ـ يا سلامه قبل كل شئ احب ان اقول لك بان جبار لا يستحق حبك ووفاءك بهذا الشكل؟ بصراحة لقد وُجد جبار مقتولا وعشيقتهُ القروية خارج البصرة والقي القبض على القاتل وكان اخا لعشيقة جبار. غابت سلامه عند سماعها تلك الجمل في صمت دوّتْ بها رياح المفاجاة والحيرة والدهشة فَعُقِلَ لسانُها وخمِدت كل ملامح وجهها وغدت كخشبه يابسة لا حراك فيها الا النفس. نظر حسين الى اخته التي خمّدَ الخبر اوصالها فاراد ان يرجعها الى صوابها خوفا لئلا يحدث لها ما لا تحمد عقباه فاتجه اليها ومسك بها وقال: سلامه ـ سلامه ـ لنسمع باقي الخبر. ولكن سلامه قطعت صمتها بصرخة دَوّت في المكان وخرت مغميا عليها من هول الحدث… مال اخوها حسين الى جسدها المطروح وراح يحملها بين يديه واسرع بها الى داخل غرفة النوم، ثم خرج كالمجنون الذي لا يعرف ماذا يفعل، تارة ينظر الى فاضل وتارة ينظر الى غرفة النوم ثم اسرع باتجاه التلفون ورفع السماعة وادار القرص وقال: ـ الو دكتور… دكتور جواد.
__________________
العَصَافِيرُ لـاَ تَسْكُنُ عُشَّهَا مرَّتَيْنِ |