|
||||||||
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
|
#41 |
|
"خلاَّت راجِلها ممدود.. وراحت تعزي في محمود
أكتــب إليكــم هذا المقال على الصوت المدوِّي للمولِّــد الكهربائي. فلبنان "المنوّر"، حسب شعار شهر التسوّق، هو في الواقع "منوّر" بغير الكهرباء دائمة الانقطاع، التي نعيش على تقنينها حسب مزاج شركة الكهرباء التي قصفها الإسرائيليون، حتى بتنا نسعد بسخائها عندما تمنُّ علينا ببضع ساعات إضاءة في اليوم. وبرغم انزعاجي لامتداد هذا الانقطاع، أحياناً طوال الليل. وهو الوقت الوحيد الذي أكتب فيه، فقد وجدت في الأمر نعمة إعفائي من مطاردة نشرات الأخبار ليل نهار، خشية أن تقوم الحرب في غفلة منِّي. غيــر أنَّ ما طمأنني، هو وجود السيّاح الخليجيين بالآلاف في بيــروت، بمناسبة شهر التسوُّق، أو بذريعته، حتى ضاقت بهم الفنادق، وفاضت بهم إلى الجبال والشواطئ المجاورة. والحقيقة، أنهم أنــاروا بمباهجهم الشرائية الاقتصاد اللبناني، وأدخلوا إلى جيوبه بصيص أمــل "أخضر". ولأنني شاهدت على قناة "الأورونيوز" الجنود الأميركيين، وهم مستلقون في أزيــاء البحر، يأخذون حمّام شمس في المسابح الخاصة بهم، فقد تذكّرت قول ديغــــول: "أضع خططي من أحلام جنودي النائمين". واستبشرت خيراً بأحلامهم. فبماذا يمكن أن يفكّر ملائكة الخير، عندما يأخذون قيلولــة في الوقت الضائع بين حربين؟ كل شيء ينذر باقتراب هذه الحرب التي تهجم علينا رائحتها من كلّ شيء نقربه. لكن ما يطمئننا هو وجود أطرافها، كلٌّ في المكان الذي لا نتوقّعه. وهو ما يذكّرني بعبارة خبيثـــة قالها جــان مـــارك روبيــر، في حديث عن الخيانة الزوجية: "لا أحد في مكانه بالضبط.. الحمد للّه.. الإنصاف الدقيق لا يُطـــاق". فالأميركيون الذين تركوا فردوسهم وجاءونا طوعـــاً ونُبــلاً، في مهمَّة سماويَّة لتطهير العالم من أشراره، لوجـــه اللّــــه، أذكى من أن ينزلـوا إلى الشوارع ليحاربونا بجيوشهم.. ستنُـوب عنهم القنابل الذكية، والمعارك التي تُــــدار بحماسة وخفّة ضمير مَن يلهو بلعبة إلكترونية. ولــذا، لــن يجد المليونان ونصف المليون متطوّع عراقي، الذين أنهــوا مؤخراً تدريباتهم في "جيش القدس"، الذي أسسه صدام، قصد تحرير فلسطين، وانخرط في صفوفه ثلث سكّان العراق تقريباً، أي أكثر من سبعة ملايين شخص من الجنسين، ومن كل الأعمار، لن يجدوا مَن ينازلون في حرب يُحتَلّ فيها العراق. وهذا في حدّ ذاته مأساة بالنسبة إلى شعب تربَّـى على شحـذ السيوف، وعلى الروح القتالية. وليس أمام هؤلاء، إن كانوا مُصرِّين على القتال، إلاَّ الذهاب إلى فلسطين لتحرير القدس فعــلاً.. ومُنازلة الدبابات الإسرائيلية، في شوارع غــــزة ورام اللّــه. وقد تقول أُمي في موقف كهذا "خلاَّت راجِلها ممدود وراحت تعزِّي في محمود". وشخصيــاً، لا أرى خوفاً على العراق، مادام أمانة في عُنــق الدروع البشرية، التي وصفها البيت الأبيض، بفراشات الليل الغبيَّة، التي تذهب إلى النور لتحترق. فهؤلاء الحمقى، تركوا هم أيضاً أهلهم وبيوتهم وبلادهم، وجاءوا متطوّعين بالآلاف من مختلف أرجاء العالم، تضامناً مع الشعب العراقي، لمقاسمته ما سينهمر عليه من قذائف. وقد يقول بعضكم: وما نفع هؤلاء إذا وجدوا أنفسهم في بلاد، ذهب ثلث سكانها لتحرير فلسطين، ونزح الباقون لاجئين إلى الدول المجاورة؟ وهو سؤال غبي.. لأن تلك الدروع البشرية ستُدفع لحماية الصحافيين الذين هم الجنود الحقيقيون في هذه المعركة. حتى إن "البنتاغون" دعا 500 صحافي لزيارة سياحية للعراق، على ظهور الدبابات. وسبق للقوات الأميركية أن أقامت لهم "معسكرات صحراوية" بجوار قواعدها، وأجبرتهم على القيام بـ"دورات ميدانية"، بذريعة تلافي أخطار واجهت الصحافيين خلال حرب تحرير الكويت، مثل ضياع بعضهم وأسره لدى العراقيين. بينما يرى الصحافيون أن ما تريده أميركا هو فرض رقابة غير مباشرة عليهم، وتوجيه عيونهم حيث تشاء. وقد يسأل أحدكم: وماذا سيصوّر الصحافيون في حرب غاب عنها المتقاتلون واختفى قادتها في المخابئ؟ وسأُجيبه: إنهم ليسوا هناك لإرسال صور الحرب، بل ليكونوا جنوداً في حرب الصور، والسباق إلى التسلُّح الإعلامي، لإشبــاع نهــم الشبكات التلفزيونية الكبرى، وولعها بالبـث المباشر الحي، من بلدان تلفظ أنفاسها على مرأى من ملايين البشر. فيا شركة كهرباء لبنان.. أعيدي لنا الكهرباء رجــاءً.. حتى "ينــوّر" لبنان بالقنابل المتساقطة على العراق، ويمكننا الجلوس مساءً، مع ضيوفنا حول فنجان شاي، لنتقاسم مع فضائيات العالم الغنائــم الإعلامية للحــــرب
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#42 |
|
خواطر عشقية … عجلى
في إمكان أيّ حَشَـرَة صغيــرة أن تهزم مُبدعــاً تخلّى عنه الحــبّ· هذا المبدع نفسه الذي لم يهزمه الطُّغاة ولا الجلاّدون ولا أجهزة المخابرات ولا دوائر الخوف العربيّ·· يوم كان عاشقاً· *** لم أسمع بزهرة صداقة نبتت على ضريح حبّ كبير· عادة، أضرحة الفقدان تبقى عاريــة· ففي تلك المقابر، لا تنبت سوى أزهار الكراهية· ذلك أنّ الكراهية، لا الصداقــــة، هي ابنة الحب· *** لابد لأحدهم أن يفطمك من ماضيك، ويشفيك من إدمانك لذكريات تنخـر في جسمك وتُصيبك بترقُّق الأحلام· النسيان هو الكالسيوم الوحيد الذي يُقاوم خطر هشاشة الأمل· *** إنْ لم يكن الحبّ جنوناً وتطرّفاً وشراسة وافتراساً عشقياً للآخــر·· فهو إحساس لا يُعـــوّل عليه· *** ليس في إمكان شجرة حبّ صغيرة نبتت للتوّ، أن تُواسيك بخضارها، عن غابة مُتفحِّمة لم تنطفئ نيرانها تماماً داخلك·· وتدري أنّ جذورها ممتدة فيك· *** إنّ حبّاً كبيراً وهو يموت، أجمل من حبّ صغير يُولد· أشفق على الذين يستعجلون خلع حدادهم العاطفي· *** أنتَ لا تعثر على الحبّ·· هو الذي يعثر عليك· لا أعرف طريقة أكثر خبثاً في التحرُّش بـه·· من تجاهلك له· *** أتــوق إلى نصـر عشقيّ مبنيّ على هزيمة· لطالما فاخرت بأنني ما انتصرت مرّة على الحبّ·· بل له· *** بعد فراق عشقي، ثمَّة طريقتان للعذاب: الأُولى أن تشقى بوحدتك، والثانية أن تشقى بمعاشرة شخص آخــر· *** أيتها الحمقاء·· أنتِ لن تكسبي رجلاً إلاّ إذا قررتِ أن تحبي نفسكِ قبل أن تُحبّيه، وتُدلّليها أكثر ممّا تُدلِّليلنه· إنْ فرّطتِ في نفسكِ عن سخاء عاطفي فستخسرينه· انظــري حولـكِ·· كـم المـرأة الأنانيــة مُشتهــــاة
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#43 |
|
درس إماراتي في حُـبِّ الوطن
لم أزر الإمـــارات سـوى مرتين، تفصل بينهما خمس سنوات· الأُولى بدعوة من “المجمّع الثقافي”، والثانية للإسهام في جمع التبرُّعات دعمــاً للفلسطينيين، بدعــوة من تلفزيون أبوظبــي· لم تغرني بالتردُّد على الإمــارات الدعــوات التي تأتيني بين الحين والآخر، من جهة أو أُخرى، ولا العُروض الْمُغريــة لشركات الطيران، كـي تجعل من دبــي الوجهــة السياحيّـة العربيّـة الأُولـى· فعندما أُحــبّ بلــداً كما لو أنّه وطني، أخجـل أن أزوره بذريعة تجارية في مواسم التسوُّق والتنزيلات، حتى وإنْ كان على بُعــد ساعتين بالسيارة، كما هي الحــال مع الشـــام، التي يقصدها اللبنانيون يومياً بالمئات، لشراء القطنيات والمؤونات الغذائية، ولم أزرها خلال عشر سنوات سوى مرتين، الأُولى منذ 5 سنوات، إذ كان لي لقاء مع القرّاء في فندق فخـم في الشــام، في إطــار عمل خيريّ برعايـة “sos قرى الأطفال”، بِيعــت فيه البطاقة بثمانية دولارات، وحضره 1400 شخص، والثانية كانت منذ ثلاثة أشهر بدعوة من السيدة بُشـــرى الأسـد، والصديقة الدكتورة بُثينـــة شـعبان· ذلك أنني أعتقد أنّ المسافة الجغرافية، أو المهنية، مهما قربــت بين الْمُبــدع وأيّــة جـهـة أُخـرى، حتى وإنْ كانت وطنه الأصلي، عليها ألاّ تُلغي المسافة الأُخرى الضرورية لحماية هيبة اسمه وجَمَالِيــة حضـوره، وهو ما لا يتحقَّق إلاّ بتحوُّلــه إلى كائــن غير مرئيّ وغير مُتوافـــر· طائرتان جزائريتان تُفرغان مرتين في الأُسبوع حُمولتيهما البشريّــة في مطـار الشــام ومطــار دبــي، لانعدام التأشيرة بين الجزائر وسوريــا، ولسهولتها بالنسبة إلى دبــي، مــا جعل البلدين في متناول مَــن هــبَّ ودبَّ من “تجّــار الشَّنطة”، حتى أصبح ثـمَّـة ســوق بكاملها، تحمل في العاصمة اسم “ســـوق دبــــي”، وأُخــــرى تحمل اسم “ســوق الشـــام”· وحــدي، منـذ سـنــوات، أُقـــاوم مَــن حاولــوا إغرائــي بزيــارة الشــام للتبضُّـع، بحجــة رخص موادها الاستهلاكية، تماماً كما إكرامــاً لوجدانـي القومـي، رفضت أن تتساوى دبــي والإمــارات في ذهني بالصين وهونغ كونغ·· وكوريـــا، والبلد الذي يحلم البعض بزيارته للاستفادة من سوقـــه الحـــرّة وغيــاب القيمة الْمُضافــة على الآلات الإلكترونية· ذلك أنّ للعُروبـــة في قلبي قيمة مُضافـة، تفوق ثمن البضائع المعروضة ذاتها، وحـدي أعرف نسبتها· فأنـا مازلــت أحمـل في جينـات تكويني عنفـوان الأميـر عبــدالقــــادر، وإنْ لم أدخُــل الشــام فاتحـــة، فأنــا لن أدخلها تاجـــرة صغيرة، وإنْ لم أدخل الإمـــارات أميـــرة للكلمــة، فأنــا لـن أزورها جاريــة في سـوق العــولمـــة· فقبـل أن أسمع بسوق الحميديــة في سوريــا، تعلّمـت في مدارس الجزائر الْمَفاخــر الأُمويّــة، وقبل أن يُنجــب البـــؤس العربــي سلالــة “تجّــار الشَّنطــة”، كانت نسـاؤنـــا قد أنجبــن الفرســان والخيّـالــة، وأُمــراء جــــاءوا على صهــوة العُروبــة يُنازلــون التاريــخ· لـــذا، مثلهــم، ما زرت الإمـــارات يومــاً لآخــذ منها ما هو أرخص، وإنّـمــا مــا هــــو أغـلــــى وأنـــــدر· في زمــن الذلّ العربـيّ، أدخل الإمــارات بقلب مليء وحقائب فارغــة، أتبضَّـعُ شيئاً من الأمــل، شيئاً من الكرامــة، وبعض العنفوان· ما يريده الآخــرون منها هو سَـقَــطُ مَتَــاعِــي· أنا جئتها أتسوَّق شيئاً من الزهــو العربيّ النــادر· فالإمــارات هي البلد العربي الذي تُفاخــرُ بعروبتكَ عندما تزوره، وتأتمنــه على حياتك عندما تسكنه، وتُغادره غالباً أثــرى ممّـا قصدته، بينما قد لا تغادر غيره إلاّ مُفلساً أو في صندوق· وفيها لا تخشى أن تُشهر رأيك، فلا يقبـع في سجونها سجين سياسي واحــد· وهذا وحده ظاهرة عربيّة نــادرة· وأنــا أزور دبــي للمــرَّة الأُولــى، تجـاوزت إعجابـي بها إلى الغيـرة عليها من قـَـدر يُدمِّــر كــلَّ ما هو جميــل هذه الأيـام في العالـم العربـي، ثــمَّ إلى الغيــرة مـمّـا حقَّقته هذه الإمـــارة الصغيــرة من إنجـــازات تتجــاوز مساحتها إلى شساعـة حُــبّ أبنائها لهـا· في دبــي، كما في أبوظبـــي والشـارقــة، دخلتُ قصــوراً، وجالستُ نســاءً ثـريَّــات، لكنني ما غــــرت سوى من وطن لا يُشبه وطني، وإنْ كان يُضاهيه ثـــراءً· فأنـــا، كصديقتـي الغاليــة جميـلـــة بُـوحيـــــرد، “لا أغـــار من الأشخاص بـل من الأوطـــــان”· حضـرنــي كثيـــراً قــــول أُستــاذي جـــــاك بيـــــرك، في إحـدى محاضـراتــه في “السوربـــون” في الثمانينات: “لا وجــود لبـلاد مُتخلِّفــة، بــل بلاد تَخلَّـف أبناؤهــا عن حُـبِّـهـا”· لقد أدرك، وهو شيخ المستشرقين، علَّــة عُروبتنــا· فيــا مَــن تقصــدون الإمـــارات كســوق للعمل، أو ســوق للتبضُّـع·· خـــذوا في طريقكـم مــن أبنائهــا ذلك الدرس المجّانــي: درس حُـــبِّ الوطـــــــن·<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /><o></o> <o></o>
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#44 |
|
درس في الحريّة.. من جلاّدك
غادرت بيروت إلى فرنسا، ذات سبت في الأول من أيار• وكان آخرُ ما شهدته مساءً، وأنا منهمكة في إعداد حقيبتي، برنامجاً تعثرت يدي بزر فضائيته، فعلقت عن فضول وذهول بين فكيه، مأخوذة بصفة ضيوفه، واختيارهم تلك القناة “الحرة” من دون سواها، لعرض مظالم السجناء العرب في المعتقلات العربية، والتنديد بتاريخ انتهاك حقوق الأسير في أوطان لا تعترف حتى بحقوقه الطبيعية، كما جاء على لسان ذلك الكاتب الصديق، الذي قضى في الماضي 16 سنة من عمره في أحد السجون العربية، بتهمة الشيوعية وما عاد يرى حرجاً اليوم، وقد ولَّى “زمن العنفوان”، أن يجلس في أناقة تليق بمنبر أميريكي، ليفتح قلبه بشكاوى، ما كان يخص بها في الماضي سوى قراء جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، يشفع له وجوده بين ضيفين، يترأس أحدهما جمعية حقوق الإنسان في سجون مصر، ويمثل الثاني جمعية حقوق الإنسان لدى السجناء في لبنان• وإذا كان أجمل حبّ هو الذي تعثر عليه أثناء بحثك عن شيء آخر، فإن أطرف برنامج تعثر عليه حتماً، أثناء بعثك عن قناة أُخرى، بعدما تكون قد تهت “فضائياً”، وحطت بك المصادفة عند “قناة الحقيقة”، وهو على ما يبدو الاسم الحركي لقناة “الحرة”، وقبل أن تتردد وتهاجر إلى “جزيرة” أُخرى، يطمئنك شعارها “انتقاء ذكي” إلى ذكائك، ويهنئك بحرارة ويشد على يدك، لأنك لست من الغباء لتعادي “الحرية” ومشتقاتها، وتنحاز كملايين المشاهدين العرب إلى قنوات معسكر الشر• وبدل أن تنضم إلى أنصار صراع الديكة ونتف الريش، في برامج الصياح الإعلامي العربي المتخلف، تجلس كأي أميركي متحضر لتتابع بهدوء ورهبة “جدلاً حرّاً” تقدمه إعلامية لبنانية بكل ما أوتيت من لباقة وأناقة ونوايا إنسانية حسنة•• عن “الرفق بالإنسان” (أي والله) وهو عنوان الحلقة المخصصة لمظالمك كإنسان عربي، وفيه إشارة واضحة تطمئنك إلى أن حقوقك لن تُهدَر بعد اليوم، لأن أميركا رفعتك أخيراً إلى مقام حيواناتها وقرّرت أن ترفق بك• ولا تدري، أيجب أن تحزن أم تفرح، لأن “ماما أميركا” قد تدللك بعد الآن، كما تدلل قططها وكلابها، وتغدق عليك بقدر ما تغدق عليها• وقد تذهب حدّ إنشاء نوادٍ خاصة تهتم برشاقتك وإذابة شحومك العربية، واصطحابك إلى مطاعم لا ترتادها غير الكلاب المدللة للاحتفال بأعياد ميلادها، وستطعمك في مواسم الحرِّ “آيس كريم” صُنع خصيصاً لإعادة البهجة لكلاب، لفرط تخمتها ما عاد يسيل لعابها، وإن متّ لا قدَّر الله بعد عمر طويل، لن تنتهي جثتك في كيس من البلاستيك، بل سترتاح في مقبرة جميلة، تذهب إليها مكرّماً، في تابوت من الخشب الثمين المغلّف من الداخل بالساتان• وهكذا، سافرت إلى فرنسا مطمئنة إلى مصير العراقيين الذين وجدوا أنفسهم مدعوين إلى وليمة الديمقراطية ومباهج الحرية، من دون أن يستشيرهم أحد في ذلك• كنتَ تريد أن تعاملك أميركا كما تعامل كلابها ليس أكثر• فلماذا تحتج وأنت ترى جندية تسحب عراقياً عارياً بمقوده، كما لو كانت تجر كلباً؟ ولماذا تبكي، وتلك الرجولة العربية معروضة للفرجة، عارية إلاّ من ذعرها، مكبّلة اليدين والكبرياء، ترتعد تحت ترويع كلاب مدرّبة على كره رائحة العربيّ؟ تلك الرجولة المهانة،الذليلة، المستجدية الرحمة، وقليلاً من الكرامة الإنسانية ممن جاءوا بذريعة إحلال حقوق الإنسان، بأيِّ حق وبأيِّ شريعة، وباسم مَنْ، ولماذا، وحتى متى، سيستهان بحقها في الحياة في وطنها بكرامة، والعيش من ثروات هي ثروات أرضها؟ كانت نكتة غير موفقة في توقيتها، أن تخصص قناة “الحرّة” حلقة لعرض انتهاكات حقوق الإنسان في السجون العربية قبل يومين من انفجار فضيحة تكنولوجيا التعذيب النفسي والجسدي، الذي يقوم به جيش بوش لاختبار تقنياته تباعاً علينا، كي يجعل منا تلاميذ نجباء في مدرسة “العالم الحرّ”• عندما تكون الديمقراطية هبة الاحتلال•• كيف لك أن تتعلم الحرية من جلاّدك؟ __________________
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#45 |
|
دلُّوني على أحدهم
هاتفتني العزيزة لطيفة، بعد قراءتها مقالي عن عطاف شاهين، ابنة القـــدس، التي بَـــدَلَ انخراطها في "كتائب الأقصى"، انخرطت في "كتائب العشَّاق"، واختارت أكثر العمليات الفدائية صعوبة، بعد أن عاهدت خطيبها محمود الصفدي، الأسير في سجن عسقلان، على انتظاره حتى آخر يوم من الأعوام السبعة والعشرين، المحكوم عليه بقضائها في الأَسر، التي انقضى منها حتى الآن، خمس عشرة سنة كاملة، بأشهرها وأسابيعها وأيامها ولياليها• وقالت لطيفة، وكأنها ليست مَن غنَّى "يا حبيبي ما ترحش بعيد": "معك حــق•• إنْ كان الوفاء يحتاج إلى مسافة، وإلى سجن وسجَّان، ليأخذوا بُؤسنا العاطفيّ ويسوقُونا إلى سجن عسقلان•• عسانا في الأَسر نعثر على الحــبّ الكبيــــر!"• مَن منّا لم يحسد عطاف على بطولة عاطفيّة كهذه، في زمن لا ينقصه الأبطال ولا "السوبر ستار"، وإنها فقط "قضيّة عشقيّة" تمنحنا فرصة النضال من أجلها، وإثبات أننا جميعنا نتفوّق في دور البطولة، عندما يختبرنا الحبُّ بقصصه المبهرة العظيمة، التي ليست دوماً من صُنع المشاهير والعظماء؟ فالحبُّ لا يكبر بألقاب عشّاقه، وإنما بفجائعهــم ومآســيهم، حتى لكأنه لا يتغذّى إلاَّ بها، ولا يدين بوجوده لسواها• ألــم يُجــب نابليون بونابارت مَن سأله: "ما الذي يقتل الحب؟" قائلاً: "النهاية السعيدة!"؟ لــــذا، عندما يغدر الموت بأحد العاشقين، ويسرقه من الثاني، تصبح فاجعة الفقدان الأبديّ "فرصة ذهبيّة" للعاشق الذي بقي على قيد الحياة، كي يُنازل الموت عشقاً، ذاهباً معه في تحدٍّ يتجاوز أحياناً المنطق، مُستنداً إلى منطق الحبّ لا غير• وهكذا، في نيس، في جنوب فرنسا، احتفلت مؤخراً عاشقة في الخامسة والثلاثين من عمرها، بزواجها بحبيبها المتوفَّى منذ سنتين• ولم يكن من السهل تحقيق مطلبها الغريب• فلقد اضطُرّت قبل ذلك إلى تكليف مُحام للدفاع عن أُمنيتها، والكتابة إلى الرئيس جاك شيراك، لإصدار قرار رئاسيّ يسمح لها بإقامة مراسم الزواج في البلديّة، وإجراء جميع المعاملات القانونية، التي كانت قد شرعت في التحضير لها، قبل أن يقتل أحد اللصوص حبيبها الشرطيّ، قبل أشهر من عقد الزواج• وإن كانت "العروس الأرملة" قد أعلنت سعادتها بوفائها بالعهد، الذي قطعته لحبيبها، وافتخارها بأنها صارت تحمل اسم حبيبها، فثمَّة امرأة أُخرى جاءت قبلها بأربعة قرون، وجدت أنّ الوفاء لا يقتضي أن تكتفي الزوجة بحمل اسم زوجها الفقيد•• بل بحمل رأسه أيضاً• ويروي التاريخ قصّة "الليدي رالي"، التي طلبت أن تُعطــى رأس زوجها بعد أن أمر الملك جيمس الأوّل بقطعه، بتهمة مُوالاته لملك إسبانيا، فكانت تحمله مُحنّطاً حيث ذهبت، ودام ذلك 29 سنة• وقد سار ابنها على نهجها، وظلّ هو أيضاً محتفظاً برأس والده، حتى وافته المنيّة فدُفن معه• لكن الوفاء لا يحتاج إلى حملنا، حيثما ذهبنا، جثمان مَن فقدناهم• يكفي أن نواصل الحياة وكأنهم مازالوا موجودين فيها، محافظين على عاداتنا الصغيرة معهم• ولقد صدر مؤخراً في فرنسا كتاب بعنوان "أُغنية حــبّ"، ضمَّ أجمل ما كتبته زوجة لزوجها يومياً، على مدى سنوات بعد موته• وما الزوج سوى أنطوان دي سانت اكزوبيري، أحد أشهر الكتّاب الفرنسيين في الأربعينات، الذي بحُكم عمله، كطيار تجاري وواحد من أوائل مَن عبروا المحيطات بأكياس البريد ليصلوا القارات ببعضها، كان يتوقّع الموت في أيّة رحلة، وهو يقود طائرته البدائية تلك• لـــذا طلب من زوجته أن تكتب له كلّ يوم رسالة قصيرة، وتحتفظ بها إلى حين عودته، وهذا ما ظلَّت تفعله الزوجة العاشقة إلى ما بعد موته بسنوات، حتى ذلك اليوم الذي توقَّـف القلم بين أناملها•• وماتت الكلمات• لا أظنكــــم ستختلفون معي في الرأي إنْ قلت: "لا شيء على الإطلاق أجمل من الوفــــاء بعهد عشقيٍّ قطعناه"• ولا أظنني سأبـــوح بغير حسرتكن إنْ قلت: "أيـــن هُــم الرجــال الذيــن يستحقــون منّا بطـــولات الوفـــاء؟"• دلُّــونــــي علــى أحــدهــــم•• أيـتُّـهــــا النساء! __________________
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#46 |
|
دموع لطيفة
لا شيء كان يشي بالحزن، في ذلك اليوم الذي بدأ جميلاً، وأنا ألتقي المطربة لطيفة، لأوّل مرّة، في فندق فخم في بيروت، بعد أن نجحت في إلقاء القبض عليَّ، إثر مُطاردة هاتفيّة وعاطفيّة، جنّدت لها لطيفة لعدَّة أشهر، أصدقاء مشتركين لنا، بعد أن أصرّت على أن تكون أوَّل مَن يقرأ روايتي “عابر سرير”. لطيفــة، ما كانت تشبه تلك “النجمة” التي اعتادت أن تعبُر شاشتي في مقابلة، أو في كليب. اكتشفتها. إنسانة تلقائية عُروبيّة، متواضعة، لم تغيّرها الشهرة ولا الأضواء، تُفاخــر بالمشي في أكبر الفنادق بجوار والدتها، السيّدة الطيِّبة الأُميَّة، ذات المظهر البسيط، لا تتوقف عن احتضانها وتقبيلها مراراً أمام النظرات الفضوليّة، مُردِّدة أنها تفاخر بهذه الأُم، التي أنجبت وربّت ثمانية أولاد. وكانت لطيفة تركض بين “البوفيه” وطاولة السفرة، لإغرائها بتناول شيء من الأكل، أو من الحلويات، تساعدها على الوقوف، ترافقها إلى الباب، ترتّب الشال على شعرها. تصرُّفٌ ترك في قلبي أجمل الأثر، لأنه لا يُشبه ما أراه في بيروت، من فتيات شهيرات (أو نكرات) أودى بإنسانيتهن فيروس التشاوف، المتفشّي هذه الأيام. وكنتُ قد هاتفتها قبل ذلك مساءً، لنحدّد موعد لقائنا، غير أنها تركتني مذهولة، وهي تقول إنها ستُهاتفني حال انتهائها من أداء صلاة العشاء. حين طلبتني بعد ذلك مطوّلاً، ووجدتْ خطّي مشغولاً، صاحت وأنا أُخبرها، أنني كنت أُحدّث الغالية جميلة بوحيرد، لأُعايدها: “أرجــوك يا أحــلام، أُريـد أن أراها.. أنا جاهزة لأذهب إلى الجزائر، فقط لأُقبّلها.. عِديني أن تصطحبيني معكِ، حين تسافرين إلى الجزائر”. قلت وأنا أستبعد المشروع: “إنّ الأوضاع الجزائرية حالياً تعبانة، والناس بين منكوبي زلزال أو فيضان، أو ضحايا فقر أو إرهاب”. ردَّت وقد عثرت على قضيّة جديدة: “في إمكاني تقديم حفل كبير لمصلحة أي مشروع خيري تنصحينني به”. أجبتها “أيتها المجنونة، لقد صنع كثير من المطربين والمطربات ثرواتهم، بإقامة الحفلات في الجزائر، في صفقات “البزنس النضالي”، وأنتِ تُريدين الغناء مجاناً لدولة أثرى منكِ؟ نحن لسنا فقراء، نحن شعبٌ مُفقَّر”. وهكذا انقلب مسار حديثنا من اعترفات نسائية، كنا نتبادلها ضاحكتين، إلى الحديث عن مشروعات خيريّة، تتكفّل بها لطيفة في أوساط المغتربين في فرنسا، عارضة عليّ أن أُسهم فيها إن استطعت ذلك. كنت بدأت أعتقد أنني أعرف عن لطيفة ما يكفي، لأُكوِّن فكرة عن اهتماماتها، وطيبتها، بعد أن أخبرتني بأنها تُقاوم الأرق بمطالعة “وجهة نظر”، وبعض الكتب السياسيّة، وعرضت عليّ الاستفادة من صور ستأخذها، عند أحد كبار المصوِّرين، لآخذ صورتين أو ثلاثاً، ضمن جلسة تصويرها، حتى أُغيِّر صورتي في زهرة الخليج، “لأنها لا تُنصفني”. غير أنّ هاتفاً تلقّته لطيفة يوم لقائنا، يخبرها بموت صديقتها، المطربة ذكـــرى، مقتولة على يــد زوجها، كشف لي جانباً آخــر فيها. فقد بــدت فتاة شعبيّة، قد تنتمي إلى أي بلد عربي كان، أُنثى باكيــة لا تتوقف عن النحيــب والدُّعــاء، متوسلة إلى اللّه أن يكون الخبر غير صحيح. لكن عشرات المكالمات، التي انهالت عليها، تؤكد صحّـة الخبر، وتمدُّها بالتفاصيل العنيفــــة للمـــوت، فأسمعها تنتحـب بلهجتها التونسية: “يا ربّـي، ذاك الجَمَال ينتهي في مشرحة، ذاك الصوت، ذاك الشباب، يا نـــــاري عليكِ يا مسكينة يا ذكــرى”. ثمّ تعود لتسألني مذعـــورة: “آش نعمل؟ قولي لي.. عندي غـدوة احتفال لتسلُّم أوسكار أحسن مغنية لهذا العام، وعندي الاثنين حفل في أبوظبي، بمناسبة عيد الإمارات، كيفاش نغني؟ أنا لازم نمشي غدوة لمصر نهزّ هاذ المغبونة، نروح ندفنها في تونس، يتيمة ذكرى ما عندها حتى حدّ إلاّ أنا”. لم أستطع تقديم أيّـة نصيحة إلى لطيفة. تركتها وأنا أُفكّـر في أنّ “لكل امرئ من اسمه نصيب”. فهل كان أهل ذكــــرى، يختارون قدرها، وهم يختارون لها اسماً؟ __________________
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#47 |
|
رالي الجنون العربي
مــرَّ عيد ميلاد نــزار قبّاني منذ أيام، وما كنت لأتنبَّه له. فما كان هناك وقت لمثل هذه الذكرى، لولا أن القنوات التلفزيونية، التي كنت أُتابعها من باريس، كانت منذ بدء القصف الأميركي على العراق، تعرض على شاشاتها صــور الحرب، مُرفقةً بتاريخ اليوم. كنا ذات 21 آذار، اليوم الثاني في حرب أفقدتنا بوصلة الزمن، حتى إن أولادي، الذين أُهاتفهم يومياً، نسوا أن يُعايدوني بمناسبة عيد الأُم. وأنا نفسي نسيت أنني لسنوات، كنت أطلب نزار قبّاني في مثل هذا اليوم، بمناسبة عيد ميلاده، فيردُّ، رحمه اللّه، مازحاً كعادته "كان عليَّ مهاتفتك.. إنه عيد الأُمهات، وأنتِ أُمّي". يحضرني اليوم نـزار قباني، وأنا أبحث عن شيء أكتبه لكم، فلا تسعفني الكلمات، لا لقلَّة الأفكار، ولا لشُحِّ الغضب، ففائض المرارة العربية مازال قادراً على تزويدي بها، يملأ هذه الصفحة بضع سنوات مقبلة. لكن، أكاد لا أجد جدوى من الكتابة، وأنا أتذكَّر أنّ نزار، ما ترك لنا كلاماً يعلو على صهيل أحزانه، حتى بعد مرور سنواتٍ على رحيله، ولا أظن ما سأكتبه أنا، أو غيري هذه الأيام، في إمكانه أن يطال قلم نــزار قباني فصاحة، ولا قدرة على وصف الفاجعة الأزليَّة للعروبــــــة.. حتى إن نصوصـه التي كتبها منذ ثلاثين سنة.. تبدو وكأنه بعــث بها البارحة، إلى الصحف.. تعليقاً على النشرات الإخبارية العربية الأخيــرة. وبرغم ذلك، ما استطاعت تلك الحُمم، المتدفقة علينا من قلمه، أن تُحرِّضنا على العصيان، ولا أن تُغيِّـر شيئاً من قدرٍ مازلنا نُساق إليه كالنِّعاج إلى المسلــخ. وأنــــا أبحـث عن شيء أكتبه لكم، وجدتني أحسده، ما عاد مطالباً بأن يقول شيئاً، ولا بأن يدلي بتصريح شعريٍّ أمام كلِّ فاجعة، وقد كان إن هجانا خوَّنــــاه، وإن صمت شكَّكنا في وطنيته وحاسبناه. "هــو شاعـر. لــذا يطلبون منه أن يُقدِّم تقريراً عن عدد أصابعه كل يوم. هو شاعر، كلّما ظهر في أُمسية شعرية أطلقوا عليه القنابل المسيلة للدمـــوع". ذلك أن باقـات الورد أيضاً، قد تبكي الشعراء، ففي حبّنا المفرط لهم اعتداء على حقِّهم في الخطأ، وحقِّهم في الصمت، إجـلالاً للفاجعة. ولـــذا صــاح محمــود درويش "ورد أقلّ أحبتي.. ورد أقلّ"، ولم يجد فيكتور هوغــو، أمير الشعر الفرنسي، عيبــاً في أن يقول "للمصائب جلالة أجثو أمامها". كــم أتمنى هذه الأيام لــو أصمُــت.. أن يكون لــي حــقُّ التغيُّب أحيانــاً عن هذه الصفحة، لأكتفي مثلكم بالذهـــول والصراخ في الشوارع، عندما يؤذَن لي بذلك، والعودة مساءً، إن عدت سالمة، لأجلس أمام التلفزيون كي أُتابع برامج التسلية العربية، التي أصبحت حكــراً على نشرات الأخبار، ومحاضر جلسات القمم العربية. ذلك أننا "حلمنا بالوحدة العربية الكبرى، فلمّا وصلنا إلى النخلة اختلفنا على البلح". يقول نــزار قبّاني في أحد نصوصه. قبل أن يواصل: "هل تريدون أن تتسلُّوا.. إذن تعالــوا نتفـرَّج معــاً على خريطة الوطـن العربي. المدن العربية مجموعة من سيّارات السباق، تنطلق كلُّها عكس السير، وتُهشّم بعضها بعضاً بساديَّــة لا نظير لها. ومادام "البنزين" متوافراً، والعجلات متوافرة، والمجانين كثيرين، فإنَّ سباق الموت العربي مستمر، ولن يربح في النهاية إلاَّ الشيطان.. كــلُّ المدن العربية تشترك في هذا السباق الدموي.. وآخــر سيارة انقلبت بركَّابها واشتعلت فيها النار، هي بيـــروت..". هــذا ماكتبه نــزار سنة 1978م، في ديوانــه "إلى بيــروت الأُنثـى مـع حُـبِّـي". سعيد نــزار حيث هــو، لا يدري أنَّ السباق الانتحاري المجنون، للذين يقودون سيارات أوطاننا، مازال مستمراً، وأنَّ ثـمَّـة مَـنْ مِـنْ أجــل هوايــة القيـادة، وبقائــه مشدوداً لمقــود ثلاثين سنة، مازال مستعداً لأن يبعث بنا جميعاً إلى الجحيم، ويُدحرج أقدارنـــا إلى الهاوية.. إنـه "رالــي" الجنـون العربـي.. ولا جدوى مـن ربـط أحزمة الأمان، عندما يكون الجنـــون خلـف المقـــود
__________________
![]() |
|
|
|
|
|
|
#48 |
|
رسالة إلى فلورانس: الرهينة لدى بلد رهين يحدثُ أن أذكركِ، على الرغم من أني هنا لا أرى صورتكِ تلك يومياً على شاشة تلفازِ أو صحيفة. ولا أُتابع عدَّادَ غيابكِ. أُقيم في بيــــروت، وأنــتِ في بغـــداد، مُدناً نسكنها وأُخرى تسكننا، نحنُ القادِمَتَان، إحدانا من الجزائر وأُخرى من باريس، بيننا “مُدن الباء”، بكلّ ما كان لها من بهاء، بكلّ ما غدا فيها من بـــلاء. بيننا تواطؤ الأبجدية الفرنسية، جسور تاريخية، وهموم صغيرة نسائية، كان يمكن أن نتقاسم بَوْحها لو أننا التقينا كامرأتين خارج زمن الموت العَبَثيّ، والأقدار الْمُفجعَة. فلورانس.. إنّــه الصيــف. تشتاقُـكِ الثياب الخفيفةُ الصيفيّة، أحذيتُكِ المفتوحة الفارغة من خطاكِ.. تشتاقك الأرصفةُ والْمَقَاهي الباريسية، وزحمة الميترو.. وتلك المحال التي أظنّك كنتِ ترتادينها كما كنتُ أرتادُها لسنوات في مواسم “التنزيلات”. هل تغيَّـرَ مَقَاسُـكِ.. مُــذ أصبحتِ تقيسين وزنكِ بحميّة الوحشة.. وعدَّاد الغياب؟ وهل أنقذتِ ابتسامتكِ تلك من عدوى الكراهية، ومازلتِ ترتدينها ثوبــاً يليق بكلِّ المناسبات؟ أيتُّها الغريبة التي رفعها الخاطفون إلى مرتبة صديقة، كبُر نادي الأصدقاء. لنا صديقةٌ جديدة لم تسمعي من قبلُ بها: كليمنتينا كانتوني. اسم كأُغنيّة إيطالية تُشَمُّ منه رائحةُ زهر البرتقال. كليمنتينا رهينة في أفغانستان. تصوّري، ثمّة مَن يُلقي القبض على شجرة برتقال بتهمة العطاء، ومَن يُهدِّد بإعدام معزوفة لـ”فيفالدي”، إنْ هم لم يمنعوا بث برنامج موسيقي يُعرَضُ أُسبوعياً في التلفزيون الأفغاني. النساءُ الأفغانيات اللائي كانت كليمنتينا تساعدهنّ ضمن منظمة إنسانية للإغاثة، مُعتصمات في انتظار إطلاق سراح ابتسامتها. ففي ديننا، الابتسامة أيضاً صَدَقَة يُجازي اللَّه خيراً صاحبها.. ديننا الذي لا يَدين به رجال الكهوف وقطّاع طُرق الأديان. اعذُريني فلورانس إنْ نسيتكِ أحياناً. أُشاهد فضائيات عربيّة، لا وقت لها حتى لتعداد موتانا. لماذا جئتنا في زمن التصفيات والتنزيلات البشرية والموت على قارعة الديمقراطية؟ نحــنُ نُعاني فائض الموت العربيّ. لا رقم لموتانا، ولا نملكُ تقويماً زمنياً لا ينتظرنا في أجندة مولانا “كاوبوي” العالم. نكاد نحسدكِ على دقّة مفكّرة مُحبِّيكِ في عدِّ أيام اختطافك. نحسدكِ على صورتكِ التي تغطِّي المباني والساحات والجرائد والشاشات، مُطالِبة بإطلاق سراحكِ. الذي يختطف شخصاً يُسمَّى إرهابياً، والذي يختطف شعباً يُسمَّى قائداً أو “مُصلحاً كونياً”. نحنُ شعوب بأكملها مخطوفة لتاريخ غير مُسمَّى. بـــاع الطُّغـاة أقدارنَا للغزاة، فلماذا أيتها المرأة التي نصف اسمها وردة.. ونصفه الآخر فرنسا، جئت تتفتّحين هنا كـ”وردة مائية في بركة دمنا”؟ يا امرأة الغياب.. انقضى زمن “ألف ليلة وليلة”، ما عادت بغداد توافق وهَمَكِ بها. ماذا في إمكان “شهرزاد” أن تقول لإنقاذ شرف الحقي |