ألأنبار التي نحن بصددها ذات تاريخ عراقي ضارب بالقِدم، تأسست على جهة الفرات اليمنى كإحدى حواضر بابل. بدأ أمرها محطة لخزن الحبوب، ومخيما لأسرى حروب الَملِك بختنصر. أخذت اسمها من الأنابير، فالطعام إذا صُبَّ في موضعه انتبر أي ارتفع، لهذا قيل في معناها «بيت التاجر الذي يُنضَّد فيه متاعه»(لسان العرب). فنبرة الكلام رفعه، والنبر عند العرب ارتفاع الصوت، ونبرة الحرف همزته. وورد أن الأنبار لفظة فارسية بمعنى الأهراء أي الممتلئة، يقابلها بالتركية والكردية العنابر(شير، معجم الألفاظ الفارسية المعربة). وبما أن حديثنا حول أنبار العراق لا بد من الإشارة إلى التفريق بينها وبين أنبار إيران، وهما: أنبار جُوزجان وأنبار مرُّو. ولهذا ليس كل مَنْ عرف بالأنباري من فقهاء وأدباء وقضاة هو من أنبار العراق، أو من حي الأنباريين بالكاظمية شمال بغداد، أو من محلة الأنباريين وسط بغداد.
حالف الأنبار الحظ فأصبحت عاصمة للدولة العباسية فترة خلافة أبي العباس السفاح (134 ـ 136هـ)، اشترى فيها الخليفة أرضاً ودوراً لينشأ عليها دار حكمه وقصره، الذي دفن فيه. ولولا قرار الخليفة أبي جعفر المنصور باتخاذ بغداد مركزاً لكانت الأنبار عاصمةً لدولة عظمى، امتدت من حدود الروم حتى حدود الصين، ثم عاصمة للعراق منذ العهد العثماني. ويروى أنها شهدت نكبة البرامكة، ففي دير العُمر، الذي اعتاد الرشيد اتخاذه محطة للاستراحة بين بغداد ومصيفه بالرقة من أرض الشام، قتلَ وزيره وأمينه جعفر بن يحيى البرمكي (السنة 188هـ)، ثم نقلَ جثته لتصلب بشقين على جانبي جسر بغداد. فطالما مرَّ الرشيد على الأنبار من الرقة قاصداً مكة دون أن يعرج على بغداد، مثلما حدث في حج العام 186هـ. ثم حالفها الحظ أن يترأس العراق رئيسان من أبرز عشائرها الجُميلات، هما الشقيقان: عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، وفي كل تاريخ الدولة العراقية الحديثة لها حضور في مراكز الدولة العليا. ظلت الأنبار أرض سكينة وسلام طوال تاريخ الدولة العراقية الحديثة، فإن استثنينا تمردات عشائرية متفرقة من أجل الهيمنة على مراعٍ وطرق، وما حصل في توابعها ضد البريطانيين، لم يشهد لها أي تحرك طوال العهد العثماني وحتى أبريل 2003، مثلما حصل في وسط وجنوب وشمال العراق، فيبدو للانسجام المذهبي دوره في حسِن معايشة الدولة العثمانية ثم العراقية. كذلك اعتمد نظام البعث بعد 1968 على أهل الأنبار والغربية بشكل عام اعتماداً كلياً، كضباط في الجيش أو مسؤولين في الحزب والدولة.
كانت أكبر عشائر الأنبار الدليم، وبها عرفت المنطقة لفترة طويلة، ولا زالت الدليمية اسم ناحية بالأنبار قرب الفلوجة، واسم أكلة مشهورة بين العراقيين، ولقبا متداولا بكثرة أيضاً، فقلما يستخدم أهل الأنبار لقب الأنباري أو الفلوجي، مثلما يستخدم أهل أعالي الفرات أسماء مدنهم ألقاباً مثل الحديثي والعاني والراوي والآلوسي والكبيسي والهيتي. ولا خلاف في عروبة الدليم، لكن الخلاف حول أصلها العشائري، فهل هي من زبيد أم من حمير، أم نسبة إلى جد الصحابي سعد بن عبادة دُليم، أو نسبة إلى دُليم الحميري الجيشاني (الاستيعاب في معرفة الأصحاب). تأتي عشيرة زوبع الأنبارية بعد الدليم من حيث الأهمية والعدد. ذكرت كثيراً في أحداث ثورة العشرين، واتهم شيخها ضاري بن ظاهر بن محمود الزوبعي بقتل حاكم الأنبار البريطاني العقيد لجمن. وبرزت زوبع وبرز آل ضاري الأحفاد مؤخراً في أحداث الفلوجة،. قال القزويني (ت1882): زوبع قبيلة فراتية أنبارية، عرفت بجدها زوبعة، وهو من أسماء رؤساء الجن، ومن ذلك عرف الإعصار بالزوبعة ( أنساب القبائل العربية).
منقول بتصرف
عمر الأنباري