|
||||||||
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | طرق مشاهدة الموضوع |
|
|
#1 | |
|
|
من إغلاق الجناح الكندي بمعرض جدة للتعليم، بحجة وجود سيّدتين في الوفد الكندي التعليمي، إلى فتوى تحريم معرض الزهور بالرياض بحجة الاختلاط، إلى منغصات الهيئات - واللجان التي تتكاثر كالفطر- على فعاليات اقتصادية واجتماعية وثقافية محلية بحجة الاختلاط، وقبلها جميعاً قرار تحريم صلاة النساء بصحن الحرم المكّي بحجة تقليل فرص الاختلاط بالرجال، وما لحق القرار من استنكار محلي وسخط دولي نالنا جميعاً،
لم يعتد الفقيه في رأيه أو فتواه على سمو الغاية أو نُبل المقصد أو إلحاح النازلة أو ميزان الضرورات، إذ إن مسطرته التشريعية من الواضح أنها باتت لا تفرّق في دعوى منع الاختلاط بين حدوثه ببيت العبادة أو محراب العلم أو ضمن فعالية اقتصادية وثقافية جادّة أو خلال أي تجمع اجتماعي لطيف، كما لا تتنازل عن حدّة أحكامها لدرء سخط دولي، أو شرخ دبلوماسي. والاختلاط البشري بين الذكور والإناث، تحتمه الفطرة الإنسانية الطبيعية، وينسجم مع كافة دعاوى العقل والمنطق وحتى البديهة. وهو فعل أساسي لا تحرمه الأديان أو التشريعات السماوية، بقدر ما تقننه وتضبطه بضوابط تنظيمية أخلاقية . أما ما حصل في مجتمعاتنا ، أننا تساهلنا كثيراً، وأهملنا قضية إنتاج الفقه المعاصر، حتى استيقظنا فجأة على واقع اجتماعي منغلق. والحقيقة أن دعوى منع الاختلاط، والطريقة المتطرفة التي يسعى البعض إلى إجبار المجتمع برمتّه إلى تطبيقها وتقيّد كافة أفراده بها، تكاد لا تتفق مع أي تجربة إنسانية في الحاضر أو الماضي. وهي دعوى فاقدة لشرعيتها ولعوامل ديمومتها، لاستحالة تأصيلها الفقهي، ومجافاتها لأدنى أساسيات الطبيعة الإنسانية، وعرقلتها لتطلعات التعمير المعاصرة. فالقرآن إذ يخاطب النفس الإنسانية الواحدة، ويجمع الذكر بالأنثى، إنما كان يوجّه خطابه ذلك إلى مجتمع لا يفرق بين رجال ونساء. فالمجتمع في صدر الإسلام، كان مجتمعاً مختلطاً، كما وردنا عن مرويات التاريخ. فالرسول صلى الله عليه وسلم حين أمر بألا تمنع المرأة عن المساجد، بمن فيهن العواتق والكبيرات في السن والصغيرات والحائض منهن ومن ليس لديها جلباب، لتشارك الأعياد، وحين سمح لها بالمشاركة في الغزو حسب قدراتها، إنما منحها تصريحاً لتشارك باختلاط وتلاق في أرقى مظاهر الحياة الاجتماعية حينها، كالأعياد والمساجد والمواسم، وفي أجلّ ما تستنفر فيه الأمة قدراتها وعتادها واجتماعها، ويقوم عليها مشروعها السياسي والاقتصادي، وهو الجهاد والغزو وقتها . أما اجتماعياً، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يلتقي النساء في جماعات وأفراد، ويزور بعضهن، ويستقبل أخريات، ويلبي الدعوات والولائم، والسيّدة عائشة كانت تروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى صحابته مباشرةً، وسيّدنا أبوبكر حرر خمس نساء مستضعفات دلالة على تفاعله في مجتمع مختلط، والنساء بعد موعظة نبوية عن التصدق هرعن لبلال بحليهّن الذي كان يجلس دونهن، والجارية كانت تأخذ بيد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتسير به في طرق المدينة حيث شاءت، أما في عرس أبي أسيد كانت العروس تقوم بنفسها على خدمة المدعوين وعلى رأسهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فالأعراس كانت مختلطة. وسياسياً، فالمرأة كانت حاضرة وقت اتخاذ القرارات، تملك حق التأثير فيها وتغييرها، من جولات البيعة، إلى نبأ تلك المرأة التي ردت على سيدنا عمر رضي الله عنه في المسجد عندما أراد تحديد المهور، فقال عمر مقولته الشهيرة: "أخطأ عمر وأصابت امرأة". كما أنها كانت سيدة مجتمع من طراز رفيع، كسيرة أم شريك، الناشطة الاجتماعية الرفيعة، التي قال فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "تلك امرأة يغشاها أصحابي"، وقصة تلك المرأة التي استضافت في منزلها عددا من الصحابة وأعدت لهم الطعام وهي قصة مروية في صحيح البخاري - باب تسليم الرجال على النساء، وخيمة السيدة رفيدة التطبيبية التي كانت تُنصَب في كل حروب المسلمين حيث كان يدخل إليها من ميدان القتال الصحابة المصابون كسعد بن معاذ، ثم مسلك السيدتين عائشة وأم سليم، اللتين كانتا في يوم أُحد مشمرتين، تنقلان القِرَب على ظهريهما ثم تفرغانها في أفواه القوم. ثم تلك المرويات التي وصف فيها الرواة الرجال نساءً، فسمعنا عن امرأة وضيئة وأخرى سعفاء الخدين وثالثة بيضاء ورابعة موشومة اليدين، وإلى آخرها من مئات، بل وآلاف، وعشرات الآلاف من القصص والمرويات التي وردتنا عن عصر النبوة، وصدر الإسلام وما تلاه، وتؤكد طبيعة المجتمع الإسلامي المختلط ، وتثبت استحالة تأصيل دعاوى منع الاختلاط. وإذا كانت جذور دعاوى منع الاختلاط، أتتنا من طريق تطبيقات قاعدة (سد الذريعة)، وحرص حقيقي لكتلة فقهية تقليدية على الأخلاق والفضيلة ، فإننا، بالتالي كمجتمعات، لسنا ملزمين بتمثيل القواعد الظرفية إلى مالا نهاية. فسد الذرائع، قاعدة فقهية، أنتجتها ظروف زمنية معينة، أُغلق فيها باب الاجتهاد، لانسجامها حينها مع المزاج السائد من السكون والركون إلى ذات النتائج والخوف من المجهول. أما وقد تبدلت نوازل الدهر، وصارت العزائم والتطلعات الإنسانية أكثر استعداداً لمواجهة التحديات والمثابرة على الصعاب والصبر على النتائج المرضيّة، فإن ذلك يدعم من ضرورة الاجتهاد لإخراج منتجات فقهية حديثة والتغيير في مدلول القواعد لتتقصد تمتع المجتمعات بأقصى المكاسب والمنافع، كما تدعيم أخلاقيات المناعة الذاتية في الأفراد، وبلورة آلية عملية من الثواب والعقاب، بدلاً من كبح التجارب برمّتها ومن جذورها بما يلغي شيوع منافعها ومكاسبها - وإن قلّت . أما ما نخشاه، أن تكون الفئة المتشددة لإقرار قوانين منع الاختلاط، إنما استغلت طيبة غالبية الشعب السعودي، وتدينه الفطري، لتمرير أجندتها الأيديولوجية، حيث أضحت قضية منع الاختلاط، رمزية سياسية، لإظهار القوة والغلبة وحجم النفوذ، ومقدمة لما سيلحق من مطالب اجتماعية (وسياسية) أخرى، ما هي إلا جزء من صراع سلطة خفي، يتوارى في شكل خلافات الفقه والأحكام المتشددة. إذ إن الإصرار على قضية فقهية ثانوية، والصلف أمام تفنيدها بشكل حاسم لصالح الاجتهاد الفقهي المعاصر، ومتطلبات الحياة العصرية، إنما مؤشر يدعم دعوى التوظيف السياسي بقدر ما يعزز تبرير الحرص على الفضيلة وعلى أخلاقيات المجتمع. فما نراه، ليس سوى انتصار للأيديولوجيا: حيث تخسر الشريعة، ويخسر المجتمع الإنساني، ويخسر الخيار الإسلامي الحضاري، فيما تكسب الأيديولوجيا المحمومة، ويكسب مروجو الصراع وأطرافه المؤججة له . إلى حد صرنا نجزم فيه بأن الأيديولوجيا المتشددة المعاصرة، ليست سوى (حميّة الجاهلية) السابقة التي نهى عنها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. وأرجو ألا يتهمني شخص بالتأثر بالغرب وأنماطه الاجتماعية، فالاختلاط تعودت عليه عيناي وجوارحي منذ صغري في مكة المكرمة، قلب العالم الإسلامي، في حرمها وبطاحها وبطونها ومشاعرها وفي تعاملات دكاكين وحوانيت منطقتها المركزية. كنت الأسبوع الماضي، في معرض تعليمي، لصف علم الاجتماع بكلية دار الحكمة للبنات بجدة، بدعوة من ابنة عمي الطالبة بالكلية الفتيّة. وفيما أنا أتجول في المعرض بصحبتها، ووسط حشد من الطالبات، وسيدات المجتمع، ورجال وشباب ذكور هم أقارب للفتيات أو ذوو علاقة بالمعرض، ابتهجت من سياسة المسؤولين والمسؤولات على الكلية، حيث سرّني تعامل الفتيات العارضات وطريقة شرحهن لمواد المعرض في اعتزاز وطلاقة وثقة بالذات، وفي جو حميمي وأسري معتبر لقدسية محراب العلم وقضية المعرفة. وخلال المعرض، بالطبع،لم يحصل أي مما يحذرنا منه، دعاة الأيديولوجيا أو الفقه التقليدي، من خطورة الاختلاط أو تهديده للمجتمع المسلم، بل على العكس، لقد خرج جميع الزوار بانطباع حضاري جيّد، كما زُرع في نفوس جيل كامل من الفتيّات قيم إنسانية إيجابية وهوامش متزايدة من الاستقلالية والحرية والوعي - وهي بذور الإبداع والتمايز. إني كلي إيمان، بأن أكثر ما بات يهدد المجتمع السعودي المعاصر حقاً، هو التشدد والصلف في منع الاختلاط العفيف والنبيل والبديهي، حيث تفريق الجنس بدعوى حماية الفضيلة، ذو عواقب نفسية واجتماعية وحضارية وتربوية، وحتى اقتصادية وخيمة. وبارك الله فيمن سينتصر للمجتمع المسلم في عفافه وأخلاق أبنائه وبناته، وينهي جدل الاختلاط لصالح العقل والنقل السليم، منتصراً للشريعة في وجه خاطفيها. وهذا آخر كلامنا. |
|
|
|
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
دردشة ا دردشه ا دردشة صوتية ا دردشة كتابية