1)-
لَمْ تلدِ النساءُ رجلاً كما ولدتُكَ أنـا ، فِي المخاضِ الأولِ صرختُ فِيهمْ :
( أنِ اتركوهُ بأحشائي ، برحمِي ينبتُ دافئا )
و فِي المخاضِ الثانِي سال منِّي ريقُ القلبِ و أنـا أستصرخُ الربَّ :
( أنِ لـا تحْرِمنِي منهُ ، و منْ ركلاتهِ أسفلَ بَطْنِي )
و فِي المخاضِ الألفِ انزلقتَ منِّي ، من ثقوبِ رئتِي ، منْ شريانِي الأخضرَ
و منْ عُمقِ عُمقِ تأوهاتِي ،
فقَطَعتَ حبلكَ/يَ السُّرِي الذِّي يربِطُك بِي ، و رحلتَ رُفقةَ امرأةٍ بيضاءَ النهدِ ،.
2)-
فِي البَدْءِ أردتُ أنْ أحبَّكَ كثيراً ،
فأحببتُكَ بخشوعِ زاهدٍ ،
و انطواءِ بيتٍ قديمٍ ،
وَ بأسِ جيشِ مَاغُولِي ،
فِي انتصافِ الحكايةِ تغلغلتُ فِيكَ أكثرْ ، فقررتُ أن أحبكَ بطريقةٍ أخرى ،
فكنتُ الأمَّ ، الإبنة ، الخالة ، العمة ، نسبكَ الوطنِي ، أطفال زقاقكم القديم ، الجار العجوز ، بائعُ الخضراوات ، بائعُ السجائر و الجرائد و الأنباءْ ، ربُّ العمل ، زملاء الشُغل ، رفاق المقهى القُدامى ، أخ هاجر الوطن و لازال يذكر عطرك ،
لأنِّي كنتُ على إدراكٍ تامٍ ، أنَّ ألقابَ الحبيبةِ ، العشيقةِ ، لم تَكُ لتُرضي غُروري فِيكَ
كامرأة لـا تتكررْ
فِي الختامِ ، علمتُ أنَّك لم تفهم مقصدِي ، حينما أخبرتُكَ أنك
( طفلِي )
لذلكَ رحلتَ دون أن تَعِي أنك خلفتَ خلفكَ قلبَ أمٍ مفجوعٍ .. مفجوعْ .
3)- يُقالُ يا سيدِي أنَّ العُشاقَ سيجتمعونَ فِي
الرابعِ عشرَ من شُباطَ الحزينْ ،
يُقالُ - أيضاً - أنهم سيتبادلون القُبلَ و الهدايا و الورود الحمراءْ ،
و أنَّ الشوارع ستحتفلُ برائحةِ العشقِ و الدموع ،
ستحملُ أحلاماً غضة ، و أخرى هرمة ،
يُقالُ - بصدقٍ -أن بيروتَ لن تحملَ أعلامَ الفرحِ المُبين ،
و جداراتِ فلسطينَ اتكأت على ظلٍ شمسٍ باهتة ، و اعتصمت على الخذلانْ ،
و
يُقالُ - للأسفِ - أنَّ مدينتِي لن تحتملَ صفاراتِ العناقِ ، و عطرَ اللقاءاتِ الحميمية ،
و أنتَ قد مزقتَ جواز سفرها ، وَ ارتحلتَ تعتصرُ أناتِ امرأةٍ ليستْ أنـا ،.
4)-
فِي عيدِ الحُبِّ
لن أرتدِي الأحمرَ يـا مَوْتِي المُبكرْ ،
لنْ أشعلَ الشمعَ ، و أفتح نبيذَ الغناءِ على حُنجرتِي ،
لنْ أضع أحمر الشفاهِ ، و لا طلاءاً على أظافرِي ،
لنْ أصفف شعرِي الأسود الكستنائي ، و
لن أضع بهِ شريطةً حمراءَ حريرية ،
لن ألبسَ خلخاليَ الصحراوي ، و
لن أضع أقراط السماءْ ،
كما أنِّي
لن أعزفَ على الأصابع العجية ، و
لن أظفرَ ببركةِ القديسِ فلانتاينْ ،
السببُ هُو أنِّي أعانِي من حساسية مُفرطة لكل ما هو أحمرُ ، وَ له رائحةُ الحبْ ،.
5)-
أتساءلُ ، مُجردَ تساؤلٍ لـا غيرَ ،
هل أحببتنِي ؟؟
( أضعُ يدِي على خدّي و أتنهدْ )
كنتُ امرأةً ذكيةً جدّا
( قُلتها )
كنتُ عاشقةً حدَّ الموتِ
( أعلنتها )
كنتُ أنْثَى تفيضُ جمالاً و حُسناً و إغراءاً
( اعترفتَ بها )
كنتُ كاتبةً مُذهلة ، وَ مناضبةً من الطراز الأول ، وَ وطنية حدَّ النخاع
( بصمتَ عليها بالعشرة )
كنتُ طيبةً جدا ، مُسالمةً جدا ، طموحةً جدا ، شرسةً إن أحسستُ بأن خطرا يُحدقُ بِك
( همستَ بها )
و كنتُ معجونةً بطلاسمِ الوفاءِ
( لن تُجادلنِي فيها أبداً ) فلِما تزوجتَ امرأَةً لـا تُشبهُنِي و لـا أُشبِهها ؟؟ 6)-
سَابِقاً كنتُ أغارُ مِنْ حبيبةٍ سابقة ، كانتْ تنامُ في زاويةٍ ما من قلبِكَ ،
الآن للغيرةِ مذاقُ خاصُّ جدا ، يُشبهُ مذاقَ دمِ شفتيَّ ، حينما يعتصرهُما البردُ و الصقيعْ ،
و لأنِّي أتحدثُ عن الآن ، فبصدْقٍ لم تعد لنا أشواطٌ إضافية للغيرةِ أو للبكاءِ ، أو حتَّى للحنينِ المتقدِّ كدمعةِ راهبٍ صلبوهُ على جذائلِ كتابٍ مُقدسْ ،.
7)-
أتناولُ فُطورِي في هُدوءٍ ، أشربُ قهوتِي في صمتٍ ، ألملمُ أشيائي فِي حقيبةِ يدِي ،
ألبسُ معطفاً أسوداً ، أنتعلُ حذائي الأسودَ أيضاً ، ألتقمُ ساعتِي و أشنقها بالمعصمْ ،
أنزلُ درجَ البيتِ و أنفِي في السماءْ ، أفتحُ البابَ و أغلقهُ ،
و أديرُ محرك السيارة ، و أمضِي ،
أسترقُ النظرَ من المرآةِ الخارجية ، لألمح ذاكرتِي العارية ، تُخفِي عورةَ جُرحها بمناديلٍ مائية ، لا تُجيدُ امتصاصَ الدمعِ المالحِ .
أجل يـا
رجُلِي المُخلصْ ، إنِّي أذهبُ من غيرِ ذاكرةٍ ، حتى أستطيعَ أن أخونكَ مع أكبرِ عددٍ ممكنٍ من الصفعاتِ الموجعةْ ، و حبةِ نسيانٍ مؤقتةْ .
فكما أخبرتُكَ في آخر لقاءٍ لنا ، أنِّي
( امرأةٌ ذاكرةٌ لـاَ تُنسَى / تَنْسَى ) 8)-
إنِّي أتركُ فمِي على رصيفِ الوطنِ الأحدبْ ،
و جسدِي على سريرٍ باردٍ ، و قلبِي بثلاجة :)
لذلكَ لم تعد تُغريني مشاهدُ التقامِ الشفاهِ فِي قُبلةٍ فرنسيةْ ،
فشفاهِي جافةٌ جدا ، و أخافُ أن تجرحكَ شفاهِي الجافة الجافة الجافة جدا كنتوءَاتِ الدَّهرِ الحادة ،
لم أتوقع أن أكون كاتبة فاشلة ، فكلُّ من كتبتُ عنهم أودعونِي سكة القطارِ
( و فلُّو و ما رجعوا )
حتى قضايايَ العشرةِ ، انتهكتها حُكومةُ التكميمِ بصفعةْ :)
و كنتَ أهم قضيةٍ فِي عُمرِ مُحاميةْ ، و خسرتُها في الجلسةِ الأولى ، الأولى يـا موكلِّي ،.
9)-
يُقال إنه حينما يموتُ شخصُ عزيزٌ لدينا ، نرتدِي السواد ، نُطفيءُ الأحداق بالدمعِ ،
نُطلقُ حشرجة آياتٍ مُقدسة ، ننثرُ بُخورَ الوداعِ البائس ، و تتجعدُ فِينا كلُّ الأمانِي الزاهياتِ ،
لكنِّي لن أقبلَ فِيك العزاءَ ، و لنْ أشتري لك كفنا ، وَ لنْ أدفن رفاتك فِي مقبرةِ الأمسِ الراحلِ ،
لأنَّ شريطَ حُبِك قد عَلِقَ فِي آلةِ النبْضِ ، و لـا مولد طاقةٍ أملكهُ لأعيدَ تشغيلَ هذا النبضِ الهامدِ ،.
10)- أنتَ لم ترحَلْ ، بل طلقتنِي غيابياً و أنا حُبْلَى :)
فحِينما تلاشتْ أخبارُكَ عنِّي ، و مشطتُ أرصفةَ القطاراتِ السمراءِ كما المجانينِ باحثةً عنكَ ،
و حينما علقتُ أملِي فِي اللهِ ، فِي أن يكونَ على خدِّك وشمُ مواعيدِنا المُقدسة قائما، مُصانا ،
و حينما وضعتُ يدِي على الجدارِ و بالظهرِ نصلُ سيفٍ صدِيءٍ يُهددنِي بالنحرِ ،
و حينما كانت تتلقفُنِي زوابعُ العُلبةِ الصوتية ، و صوتُ المرأةِ المُبرمجةِ يَدْوِي :
| الهاتفُ الذِّي تطلبونه مغلقُ حاليا ، المرجُو إعادةُ الإتصالِ لاحقاً | ،
حتى أنِي لا أتذكرُ عدد المراتِ التّي نقرتُ فِيها أرقامكَ على هيكلِ الهاتفِ المنخورِ ، حتى باتَ صوتُ تلكَ المرأةِ
مبحوحاً حزيناً يُطِّلُ علي بِقُماشِ صبرٍ لا طائلَ منهُ ،
و حينما قرأتُ نبأكَ كأيِّ غريبٍ يقرأ خبرَ نعيِهِ فِي الصحفِ المحليةْ ،
غنيتُ لكَ ، و بالقلبِ حشرجةُ كروانٍ قطعُوا جناحاتهِ ، و فقأوا عينهُ اليُسرى الوحيدة
و أحرقُوا عُشهُ و صغارهُ اليتامىَ :
| و لكن قول أنا مَاشي ، ترا بعدِ الوداع أجملْ
من هروبِ الحبيبِ اللي ، تركله ناسِ موجوعه
و إذا حُبِّي ما يعنيلك أكيد الوداع أحسن
و إذا عيني بتبكيلك أكيد العين مخدوعة | 11)-
موجعٌ أنْ أتذكر أمسياتنا العذراء ، و كيفَ أخبرتُكَ بسذاجةٍ عنْ لونِ عينِيَّ ، وَ ملمسِ ثوبِ العُرسِ ، وَ عن الأريكةِ التِّي ستجلسُ عليها ذات مساءٍ ، لأتسللَّ لصدرك و يُسندنِي فخدك، تُداعبُ أحلام الطفولةِ بوجنتِي ، وَ تُغرينِي باشتهاءِ أيلولَ على خارطة عُنقكَ و فمِي ،.
فمن يُشعلُ لكَ فوانيسَ اللقاءِ الحميمي ، ؟؟
و منْ يمسحُ عنك قطرةَ عرقٍ من على جبينكَ و أنت عائدٌ من زحمةِ الشغلِ و
( المشاوير ) ؟؟
منْ يكونُ وسادة رأسكَ ، تدسُّ أنفك بجيدهِ لتعبيءَ قنيناتِ الأمانِ و المطر ؟؟
منْ يُعدّ لك فنجانَ قهوةٍ سمراءَ ، و يضع القليل من ريقِ حبهِ بها ، وَ يغرقَ فِي احتراقكَ في قطعةِ سُكرٍ تكونُ جسده ؟؟
منْ يكونُ إلهةً تغفرُ لكَ الذنوبَ و تغسلُ خطاياكَ إلى أن تصير جنيناً في طورِ النمو ؟؟
منْ يُمشطُّ شعركَ و يرشقهُ بالماءِ وَ الصابونِ ، يدعكُ البخارَ الساخنَ على جسدك ، يهندسُ ذقنك ، و يضعُ قليلا من العطر على لحيتك ، يلف نصفك بالفوطةِ البيضاءِ ، وَ يقبل أرنبة أنفك و يهمس :
( حمام الهنا يا قلبي ) ؟؟
منْ يسهرُ الليلَ معك ، و أنت في انشغالاتِك الليلة ، و هُو يجوبَ المنزل طولا و عرضا ، يهتِكُ خدهُ الحزنُ و الأرقْ ، يُديرُ أرقام هاتِفك ليطمئن ، إلى أن تعود أنتَ في الصباحِ ، ليمنحكَ رائحةَ البرتقالِ في قُبلةِ سُباتٍ عميق ؟؟
إن ذلك الشخصَ ما هُو إلا أنـا ، تلك الصغيرةِ التِّي تركتها في وسطِ الطريقِ ، و اخترتَ صُحبةَ رفاقٍ جُدد ، و أكملتَ المسيرَ من دُونها ، من دُونها .
أبشرُكَ أيها المُخلصُ لِي ، أنَّ لـا أحدَ سيُحبُّكَ
( قَدِّي ) 12)-
أنا لستُ حزينةً لأنَّ
الرابعَ عشر من شُباطَ قد أزفَ ،
لكنَّ الشيءَ المُوجعَ هُو ذاك الفراغُ الذِّي تحملهُ تلك الأمسية الحمراءَ ، من دونِ أن تجد أحداً يُخبرُكَ
( بحبك ) و لو عنْ طريقِ البوسطة :)
13)-
ما تبقَى بيني و بينكَ مِن حُروفِ العشقِ غيرُ جُسورٍ معلقةٍ ، منها منْ أسقطتَهُ عمداً ، و منها من انهارَ سهواً ، و منها منْ باتَ آيلاً للإنهيارِ ، و الحبلُ الذِّي لازال يجمعُنِي بكَ ، طرفُ بقائهِ بقبضةِ كفّي ، و لكنِّي أحسّه يتملصُّ من شدة ثقلِ الخذلانِِ ، و انكساراتِ الخيولِ بصدْرِي ، فأتشبثُ به بقوةٍ ، لِتعوِي حُنجرَتِي الدامية أنْ
( يـا اللهْ ثبتْ الحبلَ بقلبِي أكثرَ ، ثبتهُ يـا اللهُ تكادُ رصاصةُ الرَّحيلِ و النأيِ تخترقُ حائطَ استبسالِي السميك ) 14)-
أجملُ أحلامِنا باتت مؤجلة ، لِهذا لم أعد أحفلًُ بمواسمِ الصيفِ و الشتاءْ ،
حتى أجرةُ اللقيا لا تكفِينِي لعناقِ وجهك ،
أعلمُ أنِّي فقيرةٌ جدا ، حتى حروفِي ليست جميلةً جدا ، و أعلمُ أنَّ باقاتِ الوردِ محنطة كقواريرِ البُكاءْ ، و مقعدِي الخشبِي زالَ طلاؤهُ الأزرقَ الأنيقْ .
الفُلُّ كجثةٍ بيضاءَ بين يدِي ، و على شفا فمي مطلعُ قصيدةٍ لِي تقول :
( كاد بقلبِي يبقَى أبداً ** إلى أن حادَ خاتمهُ عن أُصبُعِي )