(وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم)
بسم الله الرحمن الرحيم
جمعة مباركة وصلاة مقبولة بإذن
تقبل الله صلاتكم ودعاؤكم
قرأت هذا الموضوع فأعجبني جدا فأحببت أن تشاركوني روعة معانيه
تفضلوا مشكورين
مساحات ود وصفاء من نبض وشريان دعاء
قبل أيام ودعنا شهر الرحمة والمغفرة، وفيه تغيرت القلوب والأرواح والأنفس إلى الأكمل والأفضل، وقد تعافت الأجساد من ثقل الدنيا وشهواتها، وتهذبت وسمت النفوس إلى مراقي الفلاح والكمال، وإكتست الأرواح بحلة التوبة بعد أن آبت إلى خالقها، وارتسمت بسمة الرضا والأمل على الوجوه، وقد تطهرت النفوس من آثام فعلتها في لحظات ضعف عصفت بها وساوس شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً .
لقد شعر التائبون النادمون أنهم ولدوا ولادة جديدة، تجددت حياتهم في ظلال الرحمة الإلهية الواسعة، وأدركوا أنه لا ملجأ للإنسان في الملمات إلا لله رب العالمين، وأن العزة المنشودة لا تنال إلا من خلال التمسك بكتاب الله العزيز، ثم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بالمحافظة على الأخوة الصادقة التي غلفت بالمودة والرحمة، وكان رائدها التواصل والتراحم، لأن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار ولا يأكل الذئب من الغنم إلا القاصية.
قطع الصائمون العابدون على أنفسهم عهداً جديداً أن يكونوا مع خالقهم، ملتزمين بالشريعة السمحة، متأدبين بأخلاق القرآن العظيم، ومتطلعين للتأسي بآداب النبي الكريم الذي قال الله عز وجل بحقه ''وإنك لعلى خلق عظيم''، وأكدوا على إتباعهم لمنهج الله في السر والعلن، وأنهم سائرون على الطريق الذي لا عوج فيه، وقد قرأوا قوله تعالى ''وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله''، وأقسموا على الوفاء الحقيقي لربهم عز وجل، وأنهم نادمون على ما فرطوا في حق الله وحق عباده، بعد أن صفت النوايا، وخلصت الأعمال لوجه الله تعالى.
العهد الذي قطعه المؤمن على نفسه أن لا يخون ولا يغدر، وأن يتنامى ولاؤه لدينه ولرسوله ولجماعة المؤمنين وأن يكون عوناً لإخوانه في السراء والضراء، وأن لا يسكت على باطل وأن يقول كلمة الحق ما دامت تنقذ مظلوماً وتبرئه مما ظلمه، وأن يحافظ على وطنه وأمته، ويحمي الزمار والديار من كل آفة وبلاء، وأن يكون مخلصاً وأميناً في عمله، محافظاً على المال العام ومكتسبات أمته، وأن يعطي الحق لأصحابه، ويعامل الناس باللين والمعروف كما يحب أن يعامل، ديدنه التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ينصح كل إنسان بما يراه من قول صائب أو فعل صحيح لا يبطن العداوة والبغضاء لأحد من عبادة الله، ليكون مفتاح خير في علاقاته وتعامله، يتعاطف مع الضعفاء ليرفع من قدرهم، لأن المرء مرآة أخيه في السراء والضراء، يتخيرون من الأصحاب الصالحين الصادقين الذي لا يخونون ولا يغدرون، لا يجعل من الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه يعطي كل ذي حق حقه، لا يتعالى وهو يعلم أن الله قادر وله العزة والكبرياء لا يتهاون أو يقصر في أداء واجب.
إن ما سبق ذكرهم قد تأدبوا في حضرة مولاهم، وهم بحق أوفوا ما عاهدوا الله عليه، واستحقوا من أجل ذلك البراءة من الذنوب والعيوب وأن يكون من عباد الله الصالحين الذين قال الله في حقهم ''ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون''.أ.د. محمد أحمد حسن القضاة