المصدر:
صحيفة المدينة
الرياض
المقدمة للكاتب : سامي احمد
عندما يُصنَع من المستحيل واقعاً ملموساً ..
وعندما يمتد الطموح ليصل عنان السماء .. ويفجر براكين التحدي
هنا فقط نقف منبهرين لتلك الشخصية الفذة ونصفق لها طوال الوقت ويتملكنا الإعجاب منها
ونظرة التقدير والاحترام تملأ أعيننا
ولكن ....!!
عندما تكون تلك الشخصية عاجزة عن الحركة قد أحاط بها المرض من كل جانب ولم يقف هذا
الأمر عند هذا الحد
بل امتد ليصنع العوائق والعراقيل تمنعه للوصل من أهدافه
تلك العوائق هي المجتمع وتلك العراقيل هي المفاهيم السائدة
بأن المقعد لن يحقق شيئا بل هو عالة على المجتمع
فهذا أشبه بأفلام الخيال مهما صفقنا له ... ومهما كتبنا المدح فيه فلن نفي حقه
قصة كفاح بدأت فصولها منذ الصغر ولا زالت مستمرة يجني
صاحبها ثمار الكفاح المتواصل وقد نحت على الصخر اسمه ليبقى خالدا مدى التاريخ تذكره
الألسنة وتداوله المجالس بمزيج من الاعتزاز به وبما صنع
إنه الشاب عمار بوقس
الوجه الإعلامي الجديد في جريدة المدينة
وقد استبشر بظهوره جميع الإعلاميين الرياضيين لما يتمتع به من سعة وإدارك وإلمام في الرياضة
كل التقدير والاحترام ودوام التوفيق لهذا الإعلامي الشاب المكافح
لم تقف الإعاقة رغم وخزاتها المؤلمة حاجزا يحول بينه وبين الانطلاق ولم تكن نظرات الانهزاميين التي تعرقل الأقدام والأحلام إلا وقودا يحركه للأمام ويمنحه بحق أنفاس الطموح.. شاب سعودي رفض دنيا العاجزين وشطب من قاموسه مفردة الاستسلام وصنع لذاته شمسا تنير له طريق الحياة. أنه عمار بوقس طالب الإعلام بجامعة الملك عبدالعزيز شاب لم يمتلك من أدوات النصر على الزمن سوى لسان ينطق وعيون ترى ورغم فقـرالأدوات المعينة إلا أنه اكتفى بها وجعلها بالرضا جسر النبوغ والنجاح .
الجميل في هذا الشاب كان هو الإصرار فرغم العثرات التي وضعها أمامه المحيطون والسخرية التي كان يرمقها في عيون المقربين وعبارات التهكم التي كان يسمعها من أقزام الفكر وضعاف النفوس إلا أن أهدافه وأحلامه كانت أكبر من أن تعرقلها كلمة أو توقف خطاها نظرة من عيون الساخرين .
بلسان وعينين وجسد مشلول لا يقوى على الحراك كانت انطلاقته التي لا تعرف التراجع. وبفكر متوقد وطموح غلّاب كانت نجاحاته التي أدهشت العالم وما بين العجز والنجاح رحلة طويلة خطاها بوقس على ( حمّالة ) بعجلات يدفعها تارة أخ محب وتارة أخرى صديق حبيب .ورغم الصعوبات والعراقيل والأوجاع إلا أن الشاب الطموح قدّم للدنيا درسا بعنوان عريض وأثبت بألف دليل أنتربة الحياة القاسية لا تحتاج فقط ليد تحمل المعوّل بل تحتاج أيضا لفكر يحمل النور .لا تحتاج لأقدام تركض يمينا ويسارا قدر احتياجها لطموح يملأ القلوب.
مع بوقس ..صانع الشمس وهازم العجز والمنتصر على دنيا الأصحاء نمد السطور لتحمل الحكاية من بدايتها المعنّونة بتهكم الساخرين إلى نهايتها المكسوة بباقات النجاح وأزاهيرالورود .
من البداية
في أمريكا ذلك الوطن البعيد ولد عمّار هيثم بوقس حاملا مفردات العجز وعدم القدرة لا يملك من مقومات العيش سوى لسان يتمتم بالحروف وعيون ترقب العالم بدهشة أما الأطراف فقد أصابها الشلل التام حتى أن الأطباء تنبئوالهذا المولود بالموت بعد عامين .. ولكن الحياة تبسمت لهذا الطفــل وفتحت له بوابتهاعلى المصراعين ليتحرك على بساطها بلا قدم وساق.. عاش بوقس في وطن الاغتراب حتى التاسعة من عمره ووقتما عاد إلى المملكة حاول استكمال دراسته لكنه اصطدم بنظرة المجتمع السلبية لحالته الصحية وواجه أصوات الرفض العالية بأن يكون له مكان علىمقاعد الدراسة. فاضطر الصغير إلى الانتساب وبالإصرار وحده حقق بوقس المركز الخامس في الابتدائية والمتوسطة والثانوية وتخرج بدرجات أذهلت القائمين على التعليم حيث حصد قلادة الامتياز بنسبة 97%. بعدها حاول بوقس دخول جامعة الملك عبدا لعزيز لكنه وجد رفضا شديدا وممانعة قوية حركتها تارة شفقة المقربين وتارة أخرى سخرية الضعاف ومع إصراره دخل الجامعة وتخيّر من الأقسام قسم الإعلام ليكون هو بوابة النبوغ .. نعم لقد تحدّى عمار بوقس نفسه والبشر ممن علت أصواتهم معللين رفضهم بأن الإعلام قسميحتاج لمواصفات خاصة وأكد بصوت الثقة طموح الرجال لا يعترف بالمقاييس ويرفض العراقيل
نظرة الأساتذة
أصطدم عمار بوقس في جامعة الملك عبد العزيز بنظرة بعض أعضـاء هيئة التدريس - الذين يفترض فيهم حسبما قال- بأنهم مثقفون حيث حاربوه بقوة وأمطروه بالعبارات المعرقلة لطموحه ولكنه لم يأبه بها وجاهد ليثبت لهم أن النجاح هو الوليد الشرعي الطموح والابن البار للإصرار والأقدام . ومع الإعاقة حصل بوقس على الدرجات العليا وحقق معدلا تراكميا هائلا بلغ 84ر4 من خمسة .
أجمل مافي بوقس هازم العجز والمنتصر على دنيا الأصحاء انه لم يفقد يوما الثقة في رعاية الرحمن وكيف يفقدها؟ وهو حافظ القرآن والمردد لآياته في صباحات كل يوم .. هذه الإيمان المطلق جعل بوقس ينظر إلى الإعاقة وكأنها هدية من الرحمن من حقه أن يزهوبها ويتباهى.
الحمالة .. القدم البديل
ولأن الأعصاب مشلولة شللا تاما جعل بوقس من ( الحمّالة ) قدما بديلة يتحرك بها في أروقة كلية الآداب تارة يدفعها أخ شقيق وكثيرا ما يحركها أصدقاء محبون.. تحد صارخ وطموح غلاب وحكاية نصر على الذات والزمن يرويها هذا الشاب الذي لا يتحرك من أطرافه سوى اللسان والعينين .. ومع فقرالجسد والذى ترجمته ندرة الأعضاء يبقى الغنى في هذه الابتسامة التي ما غابت أبدا عن الشفاه. فبوقس باسم على الدوام وكأن بسمته الجميلة هي الرد الساخر لسخرية الحياة أدهش بوقس أعضاء هيئة التدريس بطموحه وتحديه ونجاحه الذي كسر الأرقام وقفز فوق المعدلات.
(المدينة ) طرقت منــزل عمار ورافقته حتى مقاعدالجامعة واستمعت إلى مفرداته الجميلة وحديثه العذب الذي يقطر ثقة ونجاحا فاسمعوا معنا لصوته الآن ( يقول عمار ولدت بحالتي هذه وعرضت على أحد الأطباء في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أكد لوالدي بأنني لن أعيش أكثر من عامين فقط وسبحان الله عشت عمري هذا بإرادة الله وفي سن الثامنة عرضت على نفس الطبيب وتفاجأ من وجودي على قيد الحياة وعبر عن ذهوله بقوله ( هذا شغل جبار وإرادة الله ) . في الولايات المتحدة كنت ادرس في المرحلة الابتدائية وكانوا متعاونين جدا معي حتى أنهم وضعوا معي كاتباً يكتب ملاحظاتي وساعدوني ولما عدت إلى السعودية تفاجأت بنظرة المجتمع السلبية والحقيقة أحبطت ولم يسمحوا لي بالانتظام في الدراسة لنظرة المجتمع الدونية لذوي الاحتياجات الخاصة في ذلك الوقت وكانوا يفضلون أن يبقى المعاق حبيس منزل أهلهولا يخرج أبدا ولا يكمل تعليمه معتبرين هذا قدر الله وهم لا يفكرون حتى بالأخذ بالأسباب.
ويضيف بوقس ( أنا أتميز بميزة إذا تملكني الإصرار على شئ وصممت عليه أصل إليه بفضل الله سبحانه وتعالى لذا كنت مصمما على إنهاء تعليمي وان يكون ليكلمة في المجتمع وان أكون عضوا ناجحا لا مهملا فيه وبالفعل حققت ما أريد وهانااليوم حديث الناس لنجاحي.
لا أطرق الأبواب
وعن علاقاته بجمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة يقول عمار: ليس لي علاقة بأية جمعية خيرية وأتعامل مع الناس بشكل طبيعي بمساعدة والديّ اللذين قدما لي كل شئ واحمدا لله على هذا القدر وأنا أتأقلم معالمجتمع بالرغم من الصعوبات التي أجدها في التعامل مع الناس لكن ليس كل الناس متشابهين وهم ليسوا على درجة واحدة.. أتقبل نظرة الأطفال بكل رحابة صدر عندما يرونني بحالتي الصحية هذه لكن أن ترى نظرة رجل مثقف ومتعلم تعليماً عالياً وينظرإليك نظرة مختلفة فهذه هي المصيبة.
أصلي وأتمنى الحج
في الجامعة أتعامل مع الجميع بشكل طبيعي والكثير يتعامل معي بنفس الشكل كما أنني أمارس دوري في الحياة بشكل طبيعي وأؤدي فروضي أيضا بشكل كامل، أحافظ على الصلاة وأصوم رمضان وأتمنى أنأحج إلى بيت الله الحرام وهو حلم أتمنى تحقيقه إن شاء الله. ليس هذا فقط فأنا عاشق للرياضة محب لها ولا تفوتني مباراة إلا وأنا لها متابع .
الكتابة الصحفية
ويضيف عمار: أضع المذاكرة على رأس أولوياتي وارتب لدروسي ساعتين في اليوم فقط كما احدد من وقتي جزءا للمجالس الرياضية التي تعتبر هوايتي الأولى وأتابع الحوارات الرياضية أيضا لدي مواهب في الكتابة الصحفية في المجال الرياضي وكنت أتمنى أن انشرمقالاتي الرياضية في الصحف لكن وجدت عدم قبول لكوني معاقا وقد حاولت مع أكثر من جريدة ولكن للأسف لم أجد أي تجاوب كما أن المسؤولين في الصحف لا يكلفون أنفسهم عناء القراءة ولو لجزء من المقالة والحمد لله لغتي العربية ممتازة واصبغ مقالاتي بشكل جيد لكنهم يقولون لي وضعك صعب ولا نستطيع أن ننشر مقالاتك بالرغم من إن كثيراً من الكتاب يرسلون مقالاتهم عبر ولا يحضرون إلى مقار الصحف وأنا استطيع أن افعل الشيء نفسه ولكن للأسف الشديد هي النظرة السلبية للمعاق. وهنا أحب أن أشكر جريدة ( المدينة ) التي رحبت بى وتنشر لي مقالات على صفحاتها الرياضية اليوم.
السمع والحفظ
وحول طريقته في حفظ دروسه يقول عمار: حفظت القرآن الكريم في عامين بدأت في الحفظ في سن الثالثة عشرة وكان يتابع حفظي الشيخ محمد إسماعيل الجمل وأنا أستمعوأحفظ بسرعة كما أحفظ الصفحات سريعا ولا احتاج مساعدة سوى في تقليب الصفحات أماميفقط. وفي الجامعة استمع إلى المحاضرات وترسخ في ذهني وفي الانتساب كنت اقرأ الكتب وأحاول فهمها وحفظها بدون أي مساعدة لا دروس خصوصية ولا شئ من هذا القبيل وفي الانتظام في الجامعة كانت العملية أسهل بكثير.
وحول سبب دخوله قسم الإعلام بالرغم من حالته الصحية يقول عمار بوقس: دخلت الإعلام وأصررت عليه لسبب رئيسي وهوأن معظم ذوي الاحتياجات الخاصة يدخلون أقسام اللغة العربية والإسلامية وكنت أريد أنافعل شيئا جديدا ومختلفا واثبت للعالم أن المعاق يمكن أن ينجح في مجال الإعلام والحمد لله تخرجي في الفصل المقبل من الجامعة بتقدير ممتاز.ويضيف أنا لم ادرس إلا مناجل الوظيفة وبمجرد أن انتهي من دراستي عندي مداخل كثيرة في الإعلام يستطيع المعاق في مثل حالتي الدخول فيها وأنا أجيد الكتابة الصحفية وخاصة الرياضية ومقالاتي حيادية فأنا افرق بين ميولي وبين الكتابة بشكل حيادي أحب الرياضة وأشجع النادي الأهلي وأتابع مبارياته حتى فيالملعب وأنا عضو شرف فيه ومعي بطاقة عضوية .
* الاخ عمار يعرفه الجمهور الاهلاوي الذي يحضر مباريات الفريق في الملعب ، من يوم ما يدخل يقابله الجمهور بموجه من الترحيب والتصفيق دائما ، الله يطول عمره ويحفظه .
أتطلع للزواج
يقول عمار عن مستقبله إنني أنتظر التخرج في الجامعة الفصل القادم لأبحث عن وظيفة وبعد أن تستقر حالتي الوظيفية سوف أستعد للزواج فهي أمنيتي مثل غيري من الناس كما أتطلع إلى بناء أسرة نعم أنا أعتقد أن الزواج في مثل حالتي صعب ولكن أنا أرى انه لا مستحيل في الحياة والنية موجودة بعد الوظيفة أن شاء اللهفانا سليم وجاهز من ناحية أداء وظائفي الزوجية. ويبين بوقس حالته الحالية بقوله أناطبيعي جدا فانا اسهر مع أهلي متى ما سهروا وأنام بشكل طبيعي ولدى القدرة على متابعة شؤوني وأعيش مع عائلتي بدون عوائق والحمد لله وأسافر معهم فقد سافرت إلى ألمانيا ومصر والتشيك. كما أن لدي جهاز هو الواسطة بيني وبين جهاز الكمبيوتر بواسطة التحدث والكمبيوتر يسجل الحديث كتابة وأيضا الطباعة تتم بالحديث دون تدخل احد أو مساعدة مناحد وفي أيام الاختبارات اختبر بمساعدة السائق الذي عادة ما يكون بجواري يكتب ماأمليه عليه وليس هناك أي مشكلة في ذلك فهو قريب مني ولا احد يستمع لنا.
الجد الحنون
عبد الله بوقس مدير التعليم في منطقة مكة المكرمة سابقاوجد عمار أكد أن عمار من الأطفال المعوقين ولكنه يملك طموحات وأفكار تخطت عمرهوعندما اقرأ له مقالاته اشعر بقدرته الهائلة على التعامل مع الكلمة والحرف وكثيراما كان يناقشني فيما يكتب ويبدى لي مرئيات غالية ربما لم افطن إليها من قبل.
يتبع